تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

22

بالعقلية الآرية المجمعة للفرس

23

وبدين زرادشت،

24

وهذا الدين احتوى على مذهب الكلمة الإلهية مع تصور مشابه نوعا للمذهب الأفلاطوني الخاص بالمثل، إن لم نقل احتوى على نظرية كاملة واضحة للتثليث. ومذهب الكلمة هذا وجدت فيه العقلية اليهودية فكرتها الحقة؛ فتقبلته في حمية كبيرة لتجعله أدنى إلى الكمال. والواقع أن العقيدة اليهودية على رغم أنها كانت تحت سلطان فكرة الإله السامي، الإله الواحد الذي تفصل هوة كبيرة بينه وبين العالم الذي خلقه بقدرته العظمى، قد مالت من زمن بعيد إلى أن تميز بين الله وبين القوى المتدرجة التي خلق العالم بواسطتها، كما يؤثر فيه ويحافظ عليه ويحكمه بواسطتها كذلك. والسبب في هذه الفكرة هو السبب نفسه الذي تأثر به أفلاطون؛ أي المحافظة على قداسة الله وعدم تغيره.

وهذه القوى صورت أولا في شكل ملائكة أو رسل من الله ثم، تجمعت عندئذ في شكل فكرة واحدة ستتخذ لنفسها فيما بعد شخصية يمكن أن يعبر عنها بالحكمة أو العقل الإلهي،

25

ومن جهة أخرى، هذه القوى تظهر في الخارج في شكل روح أو نفثة إلهية كما جاء في الآية الثانية من التوراة وفي مواضع أخرى منها.

وبالإجمال، فإن ملائكة الله - أعني تلك القوى التي تكلمنا عنها - فيها تنبؤ على نحو غامض بفكرة الأقانيم الإلهية، وفي سفر الأمثال المتأخر عن عصر السبي، والذي يكشف عن أثر الفارسيين، وإن كان لا يكشف عن أثر الرواقيين كسفر الحكمة

26

مثلت الحكمة تمثيلا واضحا كمبدأ أزلي أبدي مميز عن الله وغير منفصل عنه في الوقت نفسه، ففي الإصحاح الثامن نجد الحكمة تقول: «الرب قناني أول طريقه من قبل أعماله منذ القدم منذ الأزل مسحت منذ البدء منذ أوائل الأرض لما ثبت السموات كنت هناك أنا، لما أسس الأرض كنت عنده صانعا.»

وقصارى الكلام أن الله لم يخلق الكون مباشرة، ولا بذاته السامية العلوية، بل بواسطة الحكمة التي ليست إلا «أقنوما» إلهيا ثانيا.

27

وفي الوقت نفسه بزغ في الأفق - بشكل أقل غموضا مما في سفر التكوين - فكرة أخرى اتحدت اتحادا وثيقا بفكرة النفثة أو الروح الإلهية، فأصبحت بعدئذ هي فكرة الأقنوم الإلهي الثالث؛ أي الروح، ففي سفر الأمثال سميت الحكمة مرتين شجرة الحياة.

وهكذا، بالرغم من الطابع الأسمى لله عند الساميين، أو على الأخرى بسبب هذا الطابع الأسمى، تبدو فكرة التثليث بذرة في أقدم أسفار التوراة، وهذه النزعة التثليثية القديمة نسبيا برغم غرابتها عن العبقرية السامية المفرقة، نرى لها تفسيرا في الاتصالات المتوالية بين شعوب بني إسرائيل المشركة أصالة والتي كانت مجمعة كثيرا أو قليلا في أوائل تواريخها، حتى جاء تأثير المذاهب الفارسية ذات النزعة التمثيلية الواضحة، فعمل على نمو تلك البذور التي كانت موجودة من قبل.

ثم جاء اتصال جديد بين الدين اليهودي والتفكير الآري في أنقى أشكاله؛ أي في شكل الفلسفة الإغريقية، فاندمج التياران التثليثيان فأفاد ذلك كليهما؛ إذ آتى التيار اليهودي الفلسفة الإغريقية حمية وقوة دينية، كما قدمت هذه الفلسفة للدين اليهودي مقابل ذلك ما كان ينقصه من وضوح.

على أن هذا التزاوج لم يؤد إلى إدخال عناصر جديدة شعرت بها العقيدة اليهودية أو الفلسفة الإغريقية، فالتفكير الإغريقي ما كان له إلا أن يتذكر أفلاطون وأرسطو ليعود فيجد فوق الروح العامة والعقل الإلهي المثل والإله الذي لا يدرك. أما العقيدة اليهودية فلم يكن إلا أن تعود بذكراها إلى بعض آيات كتبها المقدسة لتجد تحت إلهها الذي لا يدرك، العقل والروح الإلهية، وبأخذ كل منهما من الأخرى لم يحسا بأن على كليهما دينا يجب أداؤه، اللهم إلا في بعض التفاصيل.

وبديهي أن تقابل هذين التيارين واندماجهما بعضهما في بعض، وقد جاء أحدهما من الغرب والآخر من الشرق، كان يجب أن يحدث في الإسكندرية، عاصمة العالم القديم، وملتقى القارات الثلاثة، هنالك في عهد البطالسة، وفي الحين الذي كان يبشر المسيح فيه، ظهر فيلون اليهودي الذي حاول التوفيق بين عقائد دينه والنظر الفلسفي الهيليني، فكان أول من توصل إلى وضع مذهب للتثليث الديني فيه تماسك وكمال، ومن ذلك نجد في مؤلفاته العناصر الهامة لمذهب التثليث الإسكندري المستقبل.

المسألة اليهودية · الصفحة ٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المسألة اليهوديةص ٣٠