تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبعد أن انتهى النزاع بين الشركتين إلى سيطرة الحكومة البريطانية على الموقف، والحلول محل الشركة الإنجليزية، واقتصار الحكومة الفرنسية - بعد إلغاء الشركة الفرنسية - على ضم بعض البلاد الهندية، بعد هذا كله بدا في المسألة الهندية عامل مهم لا يزال قائما، ذلك بأن النزاع قد اتخذ صورة أخرى كانت ضئيلة جدا في بداية الأمر، غير أنها وضحت وضوحا تاما في القرن الحالي، فأصبح كثرة زعماء الهندوس وغير قليل من زعماء المسلمين يطلبون للهند استقلالا صحيحا تاما، وجلاء تاما للاحتلال البريطاني غير محجمين في الوقت ذاته عن قبول عقد معاهدة تحالف مع الدولة البريطانية.

وبعد تردد طويل وعرض حلول ربعية ونصفية، أخذت الحكومة البريطانية تواجه مطالب وطنيي الهند إلى أن اعترفت بحق الهند في الاستقلال في شيء من الشروط والتحفظات، على أن يكون تحقيق هذا لا في إبان الحرب كما نادى غاندي والمؤتمر الوطني الهندي، بل بعد أن تضع أوزارها في الشرق الأقصى وتسلم اليابان في غيرما قيد ولا شرط، كما سلمت ألمانيا في أوربا في صباح يوم الاثنين 7 مايو 1945.

فالمسألة الهندية، التي نعرض لها هنا، من المسائل الهامة، التي يتوقف على علاجها استقرار شئون آسيا الوسطى، واشتراكها في الحضارة الجديدة. هذا وترجع المسألة الهندية إلى اتساع أرجاء الهند، وكثرة أديان سكانها وطوائفها، وخيراتها التي اجتذبت إليها الأجانب، وتدخلهم في شئونها بل تحكمهم فيها. فالهند لا غنى لها عن نبذ أسباب انشقاقها، وتوحيد كلمتها، واحترام الأجانب لاستقلالها لكي تعود أمة عزيزة الجانب كما نرجوه لها.

الفصل الثاني

| الهند القديمة

اسم «الهند» مشتق من اسم نهر هندوس، وقد كان في الأصل يطلق على بلاد السند وجزء من البنجاب وحسب. وفي وادي هندوس وضحت أمارات الحضارة الهندية القديمة، وحسبنا أن نذكر كتابات الملك داريوس (321-485ق.م) و«سندهو» باللغة السنسكريتية. أما «هندو» بالفارسية فهو اسم لنهر، أما هندوستان فمعناها «بلاد النهر».

أما جملة ما خلفه عصر ما قبل التاريخ، خاصة على الساحل الشرقي، فهو بقايا الصخور الصوانية الشفافة المتبلورة وأدوات حجرية من عصر الحجر القديم، وكذلك الفخار من عصر الحجر الجديد. وقد وجدت في «ماسكي» سهام ذهبية من الجزء الأخير من عصر الحجر الجديد، وكذلك مقابر ما قبل التاريخ في ولاية تينفلي، إذ يحتمل أن يكون في أوعيتها رماد جثث موتى التجار الأجانب. والأوعية محلاة بالدرر واللآلئ والأصداف والودع. أما في فجر تاريخ الهند، فقد وجدت الأسوار الهائلة في جيريباجيا في بيهار.

هذا وقد أبانت الحفائر في موهينجو دارو وهارانا عن أنه قد قامت في غرب الهند حضارة عظيمة بلغت القمة حول عامي 3250 و2750ق.م؛ أي حين كانت المدن المهمة توسع ثقافتها منذ أول عصر الحجر القديم على شواطئ النيل والفراتين «الدجلة والفرات» وقارون وهيلموند.

وبينما كانت الأموال في مصر وأرض الفراتين تنفق في سخاء في إقامة المعابد وتشييد القصور والقبور على حين أن عامة الشعب كانت تسكن أكواخا من الطين - كان الأمر على نقيض هذا في «موهينجودارو» التي تبدو في آثارها الآن كما تبدو أطلال إحدى مدن العمال اللانكشيرية المبنى العام الوحيد، وهو الحمام العام العظيم البديع، ويتلو هذا في المرتبة الدور ذات الطابقين للسكان العاديين. ولم يكشف شيء من المعابد والقصور على هذا الطراز. وللمساكن أنابيب للمجاري من غرف الحمام والمراحيض إلى مجار في الشوارع، وفي الجدران مستودعات للزبالة «الكناسة أو العفاشة» تتصل بصوامع الكناسة خارج الدار. وكان سكان الدور من التجار والزراع. ويبدو أن التجار كانوا يعملون في الحقول؛ فقد وجدت في عيلام وميزوپوتاميا «أرض الجزيرة، ما بين الفراتين» خمسة أختام ذات طابع هندي قديم؛ أحدها في «أور» وآخر من «كيش». وتاريخها أقدم من العصر السارجوني. أما الزراع فكانوا ينتجون القمح والشعير، ويربون الماشية والدجاج، كما كانوا يتناولون في طعامهم السمك وأصدافه، وكانت الثيران تجر مركباتهم ذات العجلتين، وكانوا يستخدمون الفيلة والإبل دون الجياد، وكانوا يمارسون القمار. ومن المحتمل أن يكون ما وجد من القضبان النحاسية المستطيلة بمثابة عملة نقدية يرجع تاريخها إلى ما قبل ليديا في القرن السابع ق.م، فإن هذه أقدم ما عرف في تاريخ العملة. وكان صياغهم مهرة في أشغال الذهب والفضة والعاج. أما الأختام المحفورة والألواح النحاسية، فإنها تدل على أن كتاباتهم كانت مؤلفة من الصور، ولما كان لم يوجد إلى جانبها لغة أخرى معروفة، لم يهتد العلماء إلى إيضاح هذه الكتابة المصورة. أما النساء فكن يغزلن القطن والصوف. أما الأطفال فكانوا يلعبون «البلي» لاهين بعربات من اللعب المصنوعة من الفخار أو النحاس. أما المحاربون فكانوا مسلحين بالأقواس والرماح والحراب دون السيوف والدروع الواقية.

المسألة الهندية · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المسألة الهنديةص ٦