الإحراق بالنار
وقال ابن بطوطة عن إحدى الغزوات التي رآها في الهند الإسلامية: رأيت الناس يهرعون من عسكرنا ومعهم بعض أصحابنا، فسألتهم الخبر فأخبروني أن كافرا من الهند مات، وأججت النار لحرقه، وامرأته تحرق نفسها معه، ولما احترقا جاء أصحابي وأخبروني أنها عانقت الميت حتى احترقت معه، وبعد ذلك كنت في تلك البلاد أرى المرأة من كفار الهنود متزينة راكبة والناس يتبعونها من مسلم وكافر والأطبال والأبواق بين يديها، ومعها البراهمة، وهم كبراء الهنود. وإذا كان ذلك ببلاد السلطان واستأذنوا السلطان في إحراقها، فيأذن لهم فيحرقونها، ثم اتفق بعد مدة أنني كنت بمدينة أكثر سكانها الكفار «أي الهندوس» تعرف بابجري، وأميرها مسلم لقتالهم، وكان لثلاثة من الكفار القتلى ثلاث زوجات، فاتفق على إحراق أنفسهن. وإحراق المرأة بعد زوجها مندوب إليه «أي مطلوب ولكنه غير واجب». لكن من أحرقت نفسها بعد زوجها أحرز أهل بيتها شرفا ونسبوا ذلك إلى الوفاء، ومن لم تحرق نفسها، لبست خشن الثياب، وأقامت عند أهلها بائسة ممتهنة لعدم وفائها.
قال «ابن بطوطة»: إن البريد ببلاد الهند صنفان؛ بريد الخيل، وبريد الرجالة، وهو الأسرع لأن في الطريق قبابا بها رجال يأخذون الكتاب الذي يحمله الراكب حين يسمعون جلاجل الخيل النحاس.
سور دهلي وجامعها
دهلي وتدعى دلهي أيضا كانت عاصمة للهند. وقد وصف «ابن بطوطة» السور المحيط بمدينة دهلي قائلا: «إن عرض حائطه أحد عشر ذراعا، وفيه بيوت يسكنها السمار وحفاظ الأبواب. فيها مخازن للطعام ويسمونها «الأنبارات»؛ ومخازن للعدد، ومخازن للمجانيق والرعادات».
ووصف جامع دهلي قائلا: «إنه كبير الساحة، حيطانه وسقفه وفرشه، كل ذلك من الحجارة البيض المنحوتة أبدع نحت، ملصقة بالرصاص، وفيه 13 قبة ومنبره من الحجر، وله أربعة من الصحون، وفي وسط الجامع العمود الهائل من سبعة معادن، وعند الباب الشرقي صنمان كبيران جدا من النحاس، وفي الصحن الشمالي الصومعة التي لا نظير لها في الإسلام من الرخام والذهب الخالص، وهي من بناء السلطان معز الدين بن ناصر الدين بن السلطان غياث الدين. وأراد السلطان قطب الدين أن يبني بالصحن الغربي صومعة أعظم منها فبنى الثلث وقتل، وأراد السلطان محمد إتمامها فتشاءم».
افتتاح دهلي
قال ابن بطوطة: «إن مدينة دهلي افتتحت في 584ه على يد الأمير قطب الدين أيبك الملقب «بسلار»؛ أي مقدم الجيوش، وهو أحد مماليك السلطان شهاب الدين محمد بن سنام الغوري ملك غزنة وخراسان المتغلب على ملك إبراهيم ابن السلطان الغازي محمود بن سبكتكين الذي ابتدأ فتح الهند. وكان السلطان «شمس الدين للمش» أول من ولي الملك بمدينة دهلي مستقلا به، وكان قبل ذلك مملوكا للأمير قطب الدين أيبك، فلما مات هذا خلفه.
ولما توفي السلطان شمس الدين، خلف من الأولاد ثلاثة: ركن الدين، ومعز الدين، وناصر الدين. تولى الأول وقتل الثاني، ثم قتل الناس ركن الدين انتقاما، فخلفته أخته رضية، وكانت سافرة تركب كما يركب الرجال، فخلعها الناس وولوا أخاها الأصغر ناصر الدين وقتلوا رضية، ودام الملك له عشرين سنة وكان ملكا صالحا، ينسخ بيده نسخا من القرآن ويبيع المصاحف المنسوخة ويقتات بثمنها، لكن «غياث الدين بالبان» مملوكه والنائب عنه قد قتله، وخلفه في الملك عشرين سنة، وكان من خيار السلاطين حليما.
ولما توفي السلطان غياث الدين ليلا وكان ابنه ناصر الدين غائبا، أصبح ابنه «معز الدين» سلطانا ودام حكمه أربعة أعوام، كثرت خيراتها ورخصت أسعار حاجاتها، وكان السلطان يكثر النكاح والراح فاعترته علة ويبس أحد شقيه، وخلفه نائبه باسم السلطان جلال الدين الذي قتله ابن عمه وخلفه باسم السلطان علاء الدين محمد شاه الخلجي، الذي بعد وفاته خلفه ابنه السلطان شهاب الدين، الذي خلعه أخوه وجلس على العرش باسم «السلطان قطب الدين بن السلطان علاء الدين» بعد أن قتل إخوته، لكن أكبر أمرائه قتله وخلفه باسم «السلطان خسرو خان ناصر الدين» وكان فاتحا شجاعا، لكنه أخفق بين المسلمين حين عمد إلى استرضاء الهندوس بتحريمه ذبح البقر، فإن جراء من يذبحها في شريعتهم أن يحاط في جلدها ويحرق، وهم يشربون بولها للبركة وللاستشفاء، ويلطخون بيوتهم بأرواثها، لكن قتله وخلفه «السلطان غياث الدين تغلق شاه» وكان فاتحا، ولما مات خلفه ابنه محمد شاه وكنيته أبو المجاهد».