تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فكانت هذه المناطيد تتلمس طريقها فوق المدينة وتمطرها بما تحمل من تلك المهلكات.

وحمولة كل منطاد تتفاوت بين ثلاثة وخمسة أطنان.

أما الغارة بالطائرات فلم تكن ذات بال ولم تبدأ باستعمالها إلا سنة 1918؛ حيث زار لوندرة أسطول مكون من خمس عشرة طائرة.

أنواع القنابل

أما أنواع تلك القنابل فلم تتعد اثنين:

النوع الأول:

تملأ هذه القنابل بمادة اسمها ثرمت

Thirmit ، فإذا سقطت إحداها فوق شيء صلب اختلطت المواد الموجودة داخل غلافها مع الثرمت، فتنفجر وتسيل منه المادة وقد بلغت حرارتها بتفاعل المواد الأخرى معها 5000 بميزان فهرنهايت أو 2700 بميزان سنتجراد؛ أي تكون حرارتها 27 ضعفا بالنسبة لدرجة غليان الماء.

فإذا التقت هذه المادة بأي معدن من المعادن أذابته فورا من هول حرارتها.

وكان الغرض منها إشعال النار في المدينة، ولكنها إن أصابت مستودعا للذخائر يكون الخطر بالغا منتهى الشدة.

وقد تبين للألمان أن تأثير هذا النوع ليس بذي بال في لوندرة.

النوع الثاني:

كانت قنابله محشوة بالمفرقعات والغرض منها التدمير، وقد انفردت سنة 1918 بهذا النوع من القنابل.

وقد شاهدت آثار انفجار هذا النوع في حالات متعددة.

سقطت قنبلة في منتصف الساعة الثانية عشرة مساء في حديقة كبيرة لمنزلين متلاصقين يحيط بهما سور مبني على ارتفاع مترين، وكان هذان المنزلان مدرسة للأطفال.

أما السور فقد أصبح الصباح وليس له أثر بالمرة.

أما موضع الانفجار، فكان حفرة عميقة قطرها أربعة أمتار تكسرت من حولها بعض الأشجار الضخمة من الجذوع.

أما المنزلان فلم يبق بهما سقف ولا باب ولا نافذة! تطاير الكل إلى مسافات بعيدة من شدة الانفجار!

كذلك لم يبق لوح زجاجي سليم في جميع المنازل الموجودة في دائرة قطرها ستون مترا، مع العلم بأن زجاج النوافذ في إنجلترا من النوع المتين الذي يستعمل للمرايا الخفيفة.

لم أسمع غارة جوية واحدة استعملت فيها هذه القنابل.

ومع أنها هي التي يخشى الناس خطرها وهي التي تشغل الرأي العام الأوروبي؛ فإني أقرر أنه من المستحيل حتى الآن الوقاية منها.

ومن هذه القنابل ما يحتوي على الفوسجين أو اللوسيت، وهما شديدا الأذى للمجاري الهوائية، وقل من شفي منها شفاء تاما.

وهذا النوع من الغازات السامة هو الذي يمكن درء خطره بواسطة الكمامات، ولكن ليس بواسطة هذه الكمامات الغالية والتي يبلغ ثمن الواحدة 150 قرشا، بل بواسطة كمامات بسيطة وخفيفة لا يتجاوز ثمن الواحدة بضعة قروش، وكانت توزع علينا في المستشفيات.

أما القنابل المحتوية على غاز الكلورين - وكانت تسمى قنابل الخردل - فالوقاية منها محال؛ وذلك لأن الغاز المنبعث منها يمكث فوق الأمكنة القليلة التهوية أو الحفر وما شابهها مددا طويلة قد تكون يوما أو بعض يوم، أما في الخلاء الخالي من الحفر فيمكث الغاز بضع ساعات تقل أو تكثر بمقدار كثرة الرياح أو قلتها.

والتعرض المباشر لهذا الغاز يسبب اكتواء للجلد لو مس هذا بحامض الكبريتيك «ماء النار».

ويعشعش هذا الغاز في الملابس منفوشة الخيوط كالأصواف الرخيصة أو القطنية المشابهة للكستور مددا طويلة، وتصبح هذه الملابس نفسها معدية للسليم؛ فكثيرا ما كان المصابون من هذا الغاز يخلعون ملابسهم في مكان ما مثلا، فلا يسلم المقترب منها من التهاب جلدي بعد ساعتين قد يستلزم أياما للعلاج.

فأين تلك الكمامات التي تقي الجسم من هذا النوع؟

ولقد استقر رأي كثير من الأخصائيين على أن خير الوسائل للوقاية من سموم هذه الغازات الجوية في مكان محكم الغلق مدة كافية تسمح بتهوية الجهة التي حصلت الغارة عليها؛ فالرياح هي العامل الوحيد في طردها.

أما الكمامات فلم تستعمل في المستشفى الذي كنت أشتغل فيه - وكان به 1950 سريرا للمرضى - مرة واحدة، بل ولم تقض الحاجة باستعمالها في لوندرة على ما أعلم.

المسألة الحبشية · الصفحة ٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المسألة الحبشيةص ٨٣