تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويحضر الكلوروبكربن في الصناعة بإمرار البخار في مخلوط من الحامض البكريك ومسحوق إزالة الألوان؛ فيتكون الكلوروبكربن ويخرج مع البخار، وهو سائل عديم اللون كالزيت لا يذوب في الماء، يغلي عند الدرجة 112°، وهو مركب ثابت لا يتحلل بالماء أو الحوامض أو القلويات المخففة، ومن حسن الحظ قد وجد أن الفحم المستعمل في كمامات الغاز السام يمتص هذا الغاز.

والعين حساسة جدا تدرك وجود هذا الغاز في الهواء بسرعة فائقة مهما كان مقداره قليلا؛ فالهواء الذي يحتوي على 2,5 جزء من الغاز في كل مليون جزء من الهواء، يجعل العين تغمض مضطرة بعد 18 ثانية، والذي يحتوي على 29 جزءا من المليون يجعلها تغمض بعد 4 ثوان فقط.

غاز الخردل

ننتقل الآن إلى سيد الغازات السامة، وهو مادة جديدة لها أسماء كثيرة، يسميها الإنجليز غاز الخردل أو الغاز المحرق لشدة تأثيره في الجلد، ويسميها الفرنسيون الأيبريت لأنها استعملت أولا في منطقة الأيبر، ويسميها الألمان الصليب الأصفر لأنهم كانوا يفرغونها في قنابل عليها علامة الصليب الأصفر تمييزا لها عن القنابل الأخرى، ويسميها الكيميائيون

Dichlorethyl Sulphide . اكتشف هذا المركب كيمياوي إنجليزي سنة 1860، ثم كيمياوي ألماني يدعى فيكتور ماير سنة 1886، ولكنه وجد أن دراسته لا تخلو من خطر فأهمله، ومن ذلك الوقت أهمل هذا المركب في قواميس الكيمياء، وظل في زوايا الإهمال حتى استخدمه الألمان في الحرب العظمى. وفي يوليو سنة 1917 أمطروه على الإنجليز ففتك بهم فتكا ذريعا، ومن ثم جعل الألمان يعتمدون عليه في الحرب وحذا الحلفاء حذوهم، ويقال إن في هجمة واحدة دامت عشرة أيام أطلق الألمان مليون قنبلة تحتوي على 2500 طن من هذه المادة.

وغاز الخردل ليس بغاز، ثم إنه لا يصنع من الخردل، بل هو مركب كيماوي يجهز من الكحول والكلور والكبريت، وهو سائل يغلي عند الدرجة 216° ويتبخر ببطء، ويبقى في الخنادق ويختفي في التراب والملابس أياما طويلة. وكمامات الغاز الخانق لا تقي المرء منه وقاية كافية؛ لأن الجندي لا بد له أن يخلع الكمامة وقتا من الأوقات فيهاجمه الغاز الذي لا يزال منتظرا. وفي بعض الحالات تضطر الجنود إلى لبس الكمامات 12 يوما متتالية ليل نهار، وقد يظهر المكان خاليا من هذا الغاز، ولكن عندما تطلع الشمس وتسخن الأرض يتبخر منها هذا السائل ويعلق بملابس الجنود وكماماتهم. وهو سام جدا كغيره من الغازات السابقة، ويمتاز عنها بأنه يلسع الجلد كالبخار ويحرق الجسم من الداخل والخارج؛ فيحدث حروقا مؤلمة إذا أهملت تحولت إلى جروح خبيثة تسمم الجسم وتحدث الوفاة، فضلا عن أنه يؤثر في الأجزاء الطرية كالعين والأنف والحنجرة والرئتين.

وأهم مميزاته أنه يبقى طويلا وأنه لا يحدث أضرارا في الحال بل يحدث ضرره فيما بعد، فقد يتأخر فعله يومين أو ثلاثة أيام في الطقس الدافئ، وفي الطقس البارد لا يبدو خطره إلا بعد مرور أسبوع أو عشرة أيام، وقد يتأخر شهرا أو أكثر حتى يدفأ الجو ويتبخر السائل، ويصعب جدا إزالته من الأرض والأمكنة التي يسقط فيها؛ فيبقى خطره مدة أسابيع أو شهر، وفي بعض الحالات سنة أو أكثر.

وقد استعمل الألمان مقادير هائلة منه - كما أسلفنا - لإيقاع الرعب في نفوس الحلفاء وإضعاف الروح المعنوية، ثم لإخلاء المواقع الحربية وتأجيل الهجوم، ويقال إن الألمان في أبريل سنة 1918 قذفوا بهذا الغاز بلدة فرنسوية تدعى أرمانتيير، حتى سال السائل في المدينة.

الوقاية من الغازات

أصدرت وزارة الشئون الداخلية البريطانية كتابا يباع بستة بنسات تحت عنوان «كتاب الاحتياط من الغزوات الجوية»، ويجدر بالذين يشغل بالهم حرب الغازات والطائرات أن يقرأوه.

وحرب الغازات هي قسم من الحرب الجوية؛ لأن الذي يلقي قنابل الغازات هو الطائرات. وهذا على الأقل هو ما يقوله هذا الكتاب، ولكنا نعتقد أنه في مصر يمكن لبارجة حربية أن ترسل إلينا الغازات من عرض البحر في أي نقطة شمال البلاد؛ لأن انتظام الرياح الشمالية يكفل سيرها إلى الجنوب نحو السكان بلا أي خطر على البارجة.

المسألة الحبشية · الصفحة ٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المسألة الحبشيةص ٨١