من بين الوسائل التي نص عليها ميثاق عصبة الأمم لمنع الحروب توقيع عقوبات معينة على الدول التي تخل بارتباطاتها الناشئة عن الميثاق وتلجأ إلى حروب غير مشروعة.
ونود قبل أن نتحدث عن هذه العقوبات أن نبين الحالات المختلفة للحروب التي يعتبرها ميثاق العصبة حروبا غير مشروعة.
تحيلنا المادة السادسة عشرة من الميثاق في ذلك على المواد 12 و13 و15 ناصة على أن أي عضو من أعضاء العصبة يلجأ إلى الحرب مخالفا في ذلك أحكام المواد المذكورة يعتبر أنه قام بعمل حربي ضد جميع أعضاء العصبة الآخرين، وتوقع عليه العقوبات التي فرضتها هذه المادة؛ أي: المادة 16.
وفيما يلي أحكام تلك المواد:
أولا: (أ) تنص المادة 12 على أنه إذا قام نزاع بين دول أعضاء في العصبة قد يؤدي إلى قطع العلائق بينها؛ فيجب أن تلجأ هذه الدول فيه إلى التحكيم أو تعرضه على مجلس العصبة للنظر فيه. (ب) كذلك تقضي المادة المذكورة بعدم الالتجاء إلى الحرب قبل انقضاء ثلاثة شهور تلي قرار المحكمين أو المجلس.
ثانيا:
وتنص المادة 13 - كما عدلت في 26 سبتمبر سنة 1924 - على وجوب التجاء الدول الأعضاء في العصبة إلى التحكيم في كل نزاع قابل له إذا لم يكن من المستطاع تسويته بالطرق الديبلوماتيكية تسوية مرضية «فقرة أ»، وبعد أن قدمت عدة أمثلة لهذا النوع من المنازعات، وتكلمت عن الهيئة المختصة بالحكم فيها «الفقرتان: 2 و3»؛ قضت بوجوب تنفيذ الدول لقرار المحكمين بحسن نية تامة عدم الالتجاء إلى الحرب ضد أي عضو في العصبة يمتثل له «فقرة 4».
ثالثا:
أما المادة 15 فتلزم الدول الأعضاء في العصبة بأن تعرض على المجلس كل نزاع قد يؤدي إلى قطع العلاقات بينها ولا يكون قد طرح للتحكيم وفقا للمادة 13 السالفة الذكر «فقرة 1»، كما تلزمها بعدم الدخول في حرب ضد طرف النزاع الذي يمتثل لقرارات المجلس إذا صدرت منه هذه القرارات باجتماع هذه الآراء دون أن تحسب في ذلك أصوات الدول المتنازعة «فقرة 6»، أما إذا لم يتحقق الإجماع فإن كل دولة تحتفظ لنفسها بحق إجراء ما تراه لازما لصون الحق والعدالة «فقرة 7».
رابعا:
وعلينا أن نضيف إلى هذه الحالات التي أشارت إليها المادة 16 حالة أخرى نصت عليها المادة 17؛ وهي حصول نزاع بين دولة عضو في العصبة ودولة غير عضو أو بين دول غير أعضاء؛ ففي هذه الحالة تدعى الدولة - أو الدول غير الأعضاء - إلى قبول الالتزامات السالفة الذكر حلا للنزاع «فقرة 1»، فإذا رفضت ودخلت في حرب ضد عضو في العصبة اعتبرت هذه الحرب غير مشروعة، وطبقت عليها أحكام المادة السادسة عشرة «مادة 17، فقرة 3».
عرفنا الآن الحروب التي يعدها ميثاق عصبة الأمم حروبا غير مشروعة، وبقي أن نعرف أنواع العقوبات التي يفرضها على الدول التي تقوم بهذه الحروب.
هذه العقوبات ثلاثة أنواع في الواقع: (1)
عقوبات اقتصادية. (2)
عقوبات حربية. (3)
عقوبات أدبية.
فالعقوبات الاقتصادية تتلخص فيما يلي «مادة 16، فقرة 1»:
أولا:
قطع جميع الدول الأعضاء في العصبة لكل ما لها من العلاقات التجارية أو المالية مع الدول المخالفة في الحال.
ثانيا:
منعها أية صلة بين أهاليها وأهالي تلك الدولة.
ثالثا:
وقف كل اتصال مالي أو تجاري أو شخصي بين أهالي الدولة المخالفة وأهالي جميع الدول الأخرى سواء أكانوا أعضاء في العصبة أو لم يكونوا.
ولما كان توقيع هذه العقوبات الاقتصادية من شأنه أن يلحق خسائر وإضرار الدولة التي تساهم فيه، فقد قضت المادة السادسة عشرة في فقرتها الثالثة على أعضاء العصبة بأن يعاون كل منهم الآخر معاونة متبادلة لإنقاص هذه الخسائر والأضرار إلى أدنى حد ممكن، وأن يتعاونوا كذلك على مقاومة كل إجراء خاص يوجه ضد أحدهم من الدولة الناقضة للعهد. •••
أما العقوبات الحربية، فعبارة عن اشتراك الدول الأعضاء في تقديم ما أوصى به مجلس عصبة الأمم من الإجراءات الحربية والبحرية والجوية اللازمة للعمل على احترام التزامات العصبة «مادة 16، فقرة 2».