9 (16) بيانات منوعة عن الحبشة
منذ ظهر النزاع الحبشي الإيطالي، رحل إلى الحبشة وكتب عنها كثيرون من الصحفيين والسياسيين، وقد وصف حضرة الأستاذ خضر فضل الله الحبشة بعد رحلة قام بها، ومما كتبه عنها: «الحبشة في داخلها بلاد جبلية خصبة كثيرة المطر والأنهار، وقلما توجد فيها منطقة خالية من ماء، وليس فيها صحراء ولا «عتمور». وتؤلف مجاري الماء أنهرا صغيرة شديدة التيار؛ لأن الماء ينحدر فيها من أعالي الجبال فيسمع له هدير في سيره، ويصب معظم هذه الأنهار في بحيرة «تانا» حيث ينبع النيل الأزرق ويجري متجها إلى السودان، فمصر، إلى أن يصب في البحر المتوسط.
وتزرع في الحبشة جميع أنواع البقول والحبوب؛ كالقمح والشعير، والذرة الشامية والفول، والعدس والحمص، والحلبة والكمون، والكزبرة والفاصوليا والباسلة ... إلخ، والطيف والداقشا - وهما نوعان من الذرة يماثلان السمسم حجما ويستعملان للخبز أو «الكسرة»؛ فالطيف خبزه أبيض أو أسمر، والداقشا خبزها أحمر، وهما بمثابة الذرة الرفيعة عند أهل السودان، وتزرع كذلك الذرة الرفيعة ولكن في الأماكن المنخفضة الحارة.
ويستعمل أهل هذه البلاد القمح والشعير غالبا في صنع «البوظة»، كما أنهم يستعملون منها «قلوة» يتسلون بها مع شرب القهوة المرة.
هذا ويزرع البن بكثرة في أرض الحبشة، وخصوصا في جهات ولقا، وجمة، وسدامو، وزقي ... إلخ، أما البقول والخضر فجميعها تجود في أرض الحبشة.» (17) من عادات الحبشان وزواجهم
ننشر هنا بعض العادات مضافا إلى ما سبق لنا ذكره:
يكاد ألا يكون هناك اختلاف محسوس في طباع الأحباش يمكن تعيينه، ومن عادتهم أنه إذا حل ضيف دارا، فأول ما يعمله صاحب الدار هو أن يأمر عبده أو عبدته أو ابنه أو ابنته أو زوجته - إن لم يكن له خدم أو أولاد - أن يغسل رجلي الضيف، وعلى الغاسل بعد الفراغ من عمله أن يقبل الرجل المغسولة، أما إذا كان الضيف راهبا أو قسيسا فصاحب الدار هو الذي يغسل رجل ضيفه، كذلك لا يؤكل الطعام إلا بعد أن تذوقه الزوجة أو الخادمة التي أعدته.
ومن غريب عاداتهم أن أعظم ما يكرم به الضيف هو أن تطبخ له دجاجة، ولكن لهم في صنعها شأنا؛ ذلك أنهم يقطعونها قطعا معدودة، ولا يسمح للمرأة بأكل بعضها، كما أنه لا يجوز للرجل أن يأكل القطع التي للمرأة، وإذا نقصت قطعة واحدة فالويل للزوجة، وإما ترمى الدجاجة أو يؤتى بالقطعة الناقصة منها!
والزواج في الحبشة على أنواع كثيرة، فمنه زواج القربان؛ وهو ما يسميه المسيحيون بالإكليل، وهنا تختلف تقاليد الأحباش عن غيرهم من المسيحيين في أن البعض منهم يعاشر المرأة كزوجة سنة أو سنتين أو ثلاث سنوات، فإذا راقت له أخلاقها عقد عليها بالقربان؛ وهذا نهايته الموت.
والنوع الثاني ما يسمونه «القال كدان»؛ وهو زواج يبدأ باتفاق بين والدي الزوج والزوجة، فيدفع الزوج مهرا من الريالات لا يزيد على ثلاثين يضاف إليها عدد قليل من البقر والدواب من بغال وحمير ... إلخ. ويدفع والد الزوجة مثل هذا المهر ويعيش الزوجان في بيت منفصل عن والديهما، فإذا قام بينهما خلاف احتكما إلى الشيوخ يسعون جهدهم لإصلاح ذات البين، وإلا فطريقة فصلهما هو اقتسام المال وكل ما جددوه في بيتهما بالتساوي، ويحق للزوج في هذا النوع من الزواج أن يرد زوجته حتى للمرة العشرين فأكثر، كما أنه يجوز له أن يضم إليه خادمة أو اثنتين تكونان بمثابة سريتين، يسمون أولاهما «قرد» والأخرى «جن قرد»، وليس للزوجة حق ما في الاعتراض على الزوج. وهذا النوع من الزواج مثل الزواج المدني، وهو أكثر شيوعا من سواه.
ويوجد نوع ثالث؛ وهو الزواج بالماهية وهم يسمونه «قردنة»، وهو يتلخص في أن يتفق الرجل مع المرأة على أن يهبها مربوطا أو معاشا يتفاوت بين عشرة ريالات وعشرين ريالا في السنة مع كسائها وأكلها، وهذا النوع من الزواج كثير الشيوع أيضا.