تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد يكون من الطريف أن تعلم الألقاب التي يحملها الجالس على عرش الحبشة مع حظها الضئيل من الحضارة والرقي ... صاحب الجلالة الإمبراطورية ملك الملوك ... الأسد الظافر من سبط يهوذا ... الإمبراطور العظيم المنحدر مباشرة من سلالة ملكة سبأ وبيت داود! •••

ولد الرأس تفري عام 1891، وهو ابن الرأس ما كونن الذي كان حاكما على هرر أغنى أقاليم الحبشة بلا جدال، والذي كان يملك الأراضي الشاسعة الغنية بمعادنها وحاصلاتها.

وتلقى علومه على النمط الأوروبي على يد رهبان فرنسيين يقيمون في هرر؛ فتثقف تثقيفا عاليا، فهو يقرأ الفرنسية ويتكلمها بطلاقة، ولا يمل من دراسة تاريخ بلاده وأدبها، وعلى اتصال بالحركتين الأدبية والعلمية في أوروبا.

وعناية الرأس تفري بالآداب شديدة، وقد لازمته حتى بعد تركه للرهبان الفرنسيين.

وقد أسس في أديس أبابا - عاصمة بلاد الحبشة الجديدة - مطبعة تتولى طبع المؤلفات الأكليركية الحبشية القديمة طبعا متقنا منقحا.

وهو فضلا عن هذا يحب التأليف فهو واضع مقدمة كتاب لكريسوستوم، وهو عبارة عن مجموعة عظات وتحذيرات، القصد منها الإصلاح والحض على الاستقامة.

ووقعت الاضطرابات الداخلية عام 1916 بسبب اتصال «ليج ياسو» بتركيا، فعين الرأس تفري نائبا لعمته الإمبراطورة زوديتو؛ فأظهر نشاطا عظيما.

واضطر عام 1921 للسير على رأس جيش مؤلف من عشرة آلاف مقاتل فقبض على «ليج ياسو».

وفي عام 1923 ألقى الرعب في قلوب مواطنيه المحافظين على القديم بزيارته الرسمية لعدن وصعوده لأول مرة بالطيارة إلى طبقات الجو العالية.

ولما كان الرأس تفري إيديا ليست - العائش في عالم الخيال والأحلام - فقد ساعد على انضمام بلاده إلى جامعة الأمم.

وزار عام 1924 روما وباريس ولندن، زيارات رسمية للاتصال بالعالم الخارجي.

ثم خلف الإمبراطورة ... زوديتو . واعتلى العرش عام 1930، واتخذ لنفسه منذ ذلك الوقت اسم «هيلا سيلاسي».

والإمبراطور تفري مطلع على السياسة الغربية، واقف على سير المخترعات الحديثة، شغوف بها إلى حد بعيد.

وإن الإنسان لتأخذه الدهشة إذ يرى التباين العظيم بين رجل يقبل على شراء سيارات رولزوريس في الوقت الذي يستعمل رجاله القوس والرمح، وبين أمة تنضم إلى جامعة الأمم في الوقت الذي تسمح فيه بفظائع الرق!

ومع هذا فقد بذل الإمبراطور تفري جهودا جبارة لتحسين حالة بلاده، فهو وإن لم يكن قد أدى الخدمات التي أداها الإمبراطور منليك بعده إلا أنه يعمل بجد وهمة.

وإنه من الإنصاف أن نذكر أن شعبه يعيقه عن الأخذ بأسباب الحضارة الأوروبية؛ ذلك لأن من طبيعة الحبشي أن يفكر سنوات قبل أن يعمل عملا يتطلب أسابيع، فهذا التأجيل هو السر في انحطاط الحبشة إلى هذا الحد، ولكن من الإنصاف أيضا أن نذكر أنه في الوقت الذي يبدأ فيه الحبشي في العمل يفعل في أسابيع ما يفعله سواه في سنين، وقد ثبتت هذه الحقيقة مؤخرا وشهدت بها السلطات الحربية العليا في أوروبا.

كان منليك أول من أدخل التلغرافات إلى الحبشة منذ 40 سنة.

ثم جاء هيلا سيلاسي من بعده، فأدخل التلفون والسيارة من نوع رولزرويس دفعة واحدة، وعلى هذا فإن الأجنبي لا يستطيع أن يتحدث عن الحبشة أو يكتب عن الحبشة دون أن يذكر هذه السيارات الفخمة.

وأدخل هيلا سيلاسي أيضا الكهرباء، والطيارات، ومدافع الحصار، والدبابات، والمدافع الرشاشة. ونظم الجيش وجاء بالضباط الاختصاصيين في تنظيم الجيوش من البلجيك والسويد بحجة أنهم من رعايا الدول «المحايدة» التي يثق بها.

والطرق الموجودة في الحبشة الآن صالحة إلى حد، ولكن نظام التلغرافات ما يزال في حاجة ماسة إلى تحسين؛ فإن الأسلاك ثقيلة، وفي بعض الأحايين تعلق على الأشجار؛ ولهذا فإنها معرضة كثيرا للسقوط. وهذه الأسلاك معلقة على قضبان يأكلها النمل الأبيض فتسقط، ولكن بجانب هذا تجد المخاطبات اللاسلكية بين أطراف الحبشة وبين أديس أبابا وكل أنحاء العالم. •••

المسألة الحبشية · الصفحة ٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المسألة الحبشيةص ٣٢