وقد كتب مستر مارسيل برات مقالات متتابعة عن رحلة له في الحبشة وعن تاريخها وأسباب النزاع الحالي بين الحبشة وإيطاليا، وقد نشرت «الديلي تلغراف» هذه المقالات، وقد تكلم حضرته عن مخالفة بين إيطاليا والحبشة، فقال:
يقال إن النجاشي يوحنا قد حصل على مدافع وذخيرة من الإنجليز، ونجح في إخضاع كل مزاحميه، واتخذ لنفسه لقب نجاشي النجاشيين أو «ملك الملوك»، ولما توج في أكسوم - المدينة المقدسة - في سنة 1879 تسمى باسم يوحنا، وكان حكمه سلسلة طويلة من الحروب الداخلية.
كان منليك أكبر خصوم يوحنا، وكان الإيطاليون يؤيدونه لأن مصلحتهم في أن يبذروا الشقاق في الحبشة، وأخيرا قتل يوحنا في حربه مع الدراويش؛ فمكنت وفاته منليك من تولي السلطة. وكان عرش منليك ما يزال مزعزعا؛ فاستعان بالإيطاليين الذين رأوا في الملك الجديد حليفا نافعا؛ فسارعوا إلى عقد محالفة معه - محالفة 1889 الشهيرة.
قد يكون من المفيد في الموقف الحاضر أن نقرأ واحدا أو اثنين من نصوص المعاهدة التي جاء فيها: (1)
إن جلالة أمبرتو الأول ملك إيطاليا وجلالة منليك ملك ملوك الحبشة لكي يجعلا السلم مفيدا ودائما بين مملكتي إيطاليا والحبشة في سبيل الصداقة والتجارة. (2)
على أن يكون سلاما ودائما وصداقة بين صاحب الجلالة ملك إيطاليا وصاحب الجلالة ملك ملوك الحبشة، وبين وارثيهم وخلفائهم ورعاياهم والسكان الذين تحت حكمهم. (3)
تجنب أي نزاع على مشكلة حدود الأقاليم التي يتولى الطرفان المتعاقدان السيادة عليها. تقوم لجنة مؤلفة من مندوبين إيطاليين ومندوبين حبشيين برسم خط تحديدي على الحدود يرسم طبقا للنصوص الآتية: (أ)
خط الهضبة العالية بين الحدود الإيطالية الحبشية. (ب)
تدخل قرى هالاي ساجانيتي في الأراضي الإيطاليا. (ج)
يبدأ من نقطة آدي بوانس تعيين الحدود بخط يسير مباشرة شرقا وغربا. (4)
تكون تجارة الأسلحة عن طريق مصوع مباحة لملك ملوك الحبشة. (5)
يعقد لإمبراطور الحبشة قرض مقداره أربعة ملايين ليرة في بنك إيطالي بضمان الحكومة الإيطالية، ويتفق على أن إمبراطور الحبشة من جانبه يسلم للحكومة الإيطالية المذكورة جمارك هرر ضمانا لدفع فوائد الدين وتصفيته. (6)
لما كان الرق مخالفا لتعاليم الدين المسيحي؛ فإن جلالة ملك ملوك الحبشة يتعهد بأن يمنع بكافة الوسائل التي يستطيعها مرور قوافل الرقيق في بلاده.
ولما حققت الدبلوماسية في إتمام أغراض هذه المعاهدة؛ فإن الإيطاليين استطاعوا احتلال هرنت وأسموه بغير معارضة.
تقول الأنباء المعلنة حديثا أن ليج ياسو حفيد منليك، وملك ملوك الحبشة المعزول قد توفي. فإذا ثبت أن هذا صحيح فإن التاريخ خليق أن يعيد نفسه؛ لأن إيطاليا تفقد حليفا قويا لأن الأمير ما يزال له أنصار، وأي حرب داخلية في الحبشة تكون لمصلحة إيطاليا. (10) الإمبراطور هيلا سيلاسي
ظهر في طليعة رجال العالم اسم الإمبراطور هيلا سيلاسي إمبراطور الحبشة الحالي، فهو قائد الجيوش الحبشية، وموقد الحماسة، وقد صرح بأنه لن يقبل أية حماية أو انتداب أو وصاية أو أي اتفاق أو قرار يمس استقلال الحبشة، وأنه مستعد فقط للاتفاقات الاقتصادية، وهو يجتمع بشعبه وبمراسلي الصحف ويدلي بالتصريحات، ويعمل ليل نهار.
وقد وصف الأستاذ كامل صمويل مسيحة هذا الإمبراطور، فقال: كتب الإمبراطور منليك مرة إلى الدول الأوروبية يقول:
إن الله القادر على كل شيء، هو الذي حمى بلاد الحبشة حتى الآن، وإني متأكد كل التأكيد بأنه سيظل يحميها في المستقبل.
هذا ما قاله الإمبراطور منليك في بداية هذا القرن، واليوم يردد ابن أخيه ووريثه الشرعي العبارات عينها، وبالأسلوب نفسه، وفي اللغة الفرنسية عينها؛ فيكتب لجامعة الأمم يقول:
في تاريخ الحبشة ما يزيدني ثقة وإيمانا في القدرة الإلهية على حماية الحبشة.