وقد جعل الله سبحانه وتعالى المؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، لماذا؟ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فلما كانوا أولياء لبعض دل على أنهم اعتضدوا، فكانوا كاليد الواحدة، وهذا يظهر في قول الله سبحانه وتعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103].فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقتضي العمل جماعة من جهة الأصل لا عمل الأفراد، مع وجود أهمية عمل الأفراد؛ لأن الإنسان مكلف بنفسه وبذاته، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري: (من رأى منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه)، فقوله عليه الصلاة والسلام: (من رأى منكم منكراً) هذه تفيد العموم، سواءً في سبيل المنكر، (من رأى منكم منكراً)، والنكرة في سياق الإثبات تفيد العموم، وكذلك في حال الرائي أياً كان ولو كان منفرداً، وإن كانوا كذلك جماعة فإن التكليف يلحق الأفراد، فإذا قام بذلك شخص سقط عن البقية، وهذا يدل على أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سواءً كان على سبيل الأفراد، أو كان على سبيل الجماعة. وكذلك يتعلق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الجماعة؛ لأن الشر الذي يلحق بالأمة إن عطلت هذه الشعيرة يلحقها بتمامها، وقد قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال:25]، فالفتنة والشر الذي يلحقه الله جل وعلا بالأمة تلحق الأمة بسائرها، بخلاف لو كان الإنسان مذنباً بنفسه فإن الإنسان تلحقه سيئة ذنبه بذاته، وأما إذا انتشر الشر وعطلت شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن العقاب يعم الأمة بأسرها.
المعروف والمنكر بين التشريع والتطبيع · الصفحة ١٤
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
المعروف والمنكر بين التشريع والتطبيعص ١٤
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي