تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأمر ثالث: مما يعين على تحقيق المروءة: مجالسة أهل المروءات، وكما قلت الطبع سراق، والإنسان يتأثر بما يخالط ويصاحب، وبالمقابل أن يجانب إخوان السوء، وقد قيل: مجالسة أهل الديانة تجلو عن القلب صدأ الذنوب، ومجالسة ذوي المرواءت تدل على كرم الأخلاق، ومجالسة العلماء تذكي القلوب، فالإنسان بحسب من يخالط.

امحض مودة الكريم فإنما ... يرعى ذوي الأحساب كل كريم

وإخاء أشراف الرجال مروءة ... والموت خير من إخاء ليئم

ولهذا قال معاوية -رضي الله عنه-: "آفة المروءة إخوان السوء"، وهذا أمر مشاهد؛ لأنهم إن رأوا حسنة أخفوها، وإن رأوا عيباً أذاعوه، ثم هو يسمع منهم وهو يقوم ويقعد كل قبيح، يستقبلونه بالشتائم والسباب ويودعونه بمثلها، وإذا حضر مجلسهم سمع اللغو والباطل والكلام في الدنايا، ورأى منهم كل مستهجن، وإذا أراد أن يحلق وأن يرتفع ليسمو بنفسه عابوه وثبطوه؛ لأنهم يريدون موافقتهم، وكما قيل:- المرأة الزانية تحب أن جميع النساء زواني من أجل ألا يتميز أحد بالعفاف والشرف(1).

فإخوان السوء لا يحبون أن يتميز هذا بالمكارم فيقعدونه، ويقولون: أين أنت من هذا؟ وأين أنت من هذا؟ لست لذلك بكفء، فيثبطونه عن معالي الأمور فلا خير في مثل هذه الصحبة.

خامساً: في بيان درجات المروءة:

المروءة تكون مع النفس، وذلك بحملها قسراً على ما يجمل ويزين، وعلى أن تترك ما يدنس ويشين؛ ليصير ذلك ملكة لها في السر والعلانية، فلا يفعل شيئاً في سره مما يشينه عند الناس من الرزايا والآثام والآفات والعيوب التي تستهجن من مثله، فلا تفعل خالياً ما تستحيي من فعله في الملأ إلا ما لا بد للإنسان منه.

(1) نقل ذلك عن عثمان -رضي الله عنه-

المروءة المروءة · الصفحة ٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المروءة المروءةص ٩