تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الأمل يخفف كثيرا من آلام المعركة، ومن عناء المسيرة، ومن مرارة المعاناة.

إذا شكت من كلال السير أوعدها ... روح القدوم فتحيا عند ميعاد

إنه صلى الله عليه وسلم يعلم أن اليأس قاتل للنفوس، مدمر للمجتمعات، يشل حركتها، ويجفف منابع الخير فيها، ولذا فـ ﴿إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾ [يوسف: 114].

إن المحن وأهوال القتال وضراوة المعركة وشراسة اللقاء؛ ضرورة ماسة، فقد علم الله أن هذه الخليقة البشرية لا تصاغ صياغة سليمة ولا تنضج نضجا صحيحا ولا تصح وتستقيم على منهج الله إلا بهذا النوع من التربية، التي تُحفر في القلوب وتُنقش في الأعصاب، وأما القرآن والسنة فانهما يوجهان القلوب وهي منصهرة بنار الفتنة، ساخنة بحرارة الابتلاء، قابلة للطرق، مطاوعة للصياغة.

ولكن ومع نار المحنة لابد من الأمل، ومع طول المسيرة لابد من فسحة البشرى، تدفع الجموع الصادقة وتوجه النفوس الخالصة.

لابد من الغاء اليأس من قاموس الدعوات، ولا بد من نفي الملل من معجم الحركات، ولا بد من مسح القنوط من كتب الجهاد ومن مخيلات المجاهدين.

ولذا لابد من إشاعة البشرى وكتم عوامل الضعف عن جمهور الأمة، فقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ؛ أنه إذا نقضت قريظة عهدها فلابد من كتمان الخبر، وإذا لم تنقضه فالأولى إشاعة الأمر بين المسلمين.

إن نشر الإشاعات المرجفة بين المجاهدين أثناء المعركة؛ يفت في عضدهم ويوهن عزائمهم ويخلخل صفوفهم، ولذا نص الفقهاء على أنه "لا يجوز اصطحاب مثبط ولا مرجف ولا مخذل ولا معوق" (1)، ﴿لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولا وضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سم اعون لهم والله عليم بالظالمين﴾ [التوبة: 47].

ولذا فقد أدت بعض الإشاعات في وسط المعركة إلى هزيمة المسلمين.

مثل إشاعة مقتل عبد الرحمن الغافقي قائد "بلاط الشهداء" – بواتيه - في فرنسا سنة 732م، والتي هزم فيها المسلمون أمام جيوش "شارل مارتل"، الذي حرم بسيفه أوروبا من نور الإسلام وهديه إلى يومنا هذا.

(1) تفسير القرطبي: (8/ 218).

المرجفون والأمل العريض · الصفحة ٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المرجفون والأمل العريضص ٢