و علي الرغم من الفرحة و التفاؤل الذي ملاها لتصديق مقالة الزوج الأمين ،فقد راحت تعمل ذهنها سريعا في البحث عن حكيم يؤمن بدين سماوي كي تطمئن أكثر ، فلا أفضل من ابن عمها ورقة . و لم تكتف ببشارة ابن عمها ورقة ، فان حدثا جليلا كهذا يحتاج إلي جهد عقلي لا يتوقف عن التفكير لاستخراج أدله تعين زوجها الحبيب علي احتواء دعوته ، فقد ورد أنها ـ رضي الله عنها ـ قالت لرسول الله صلى الله عليه و سلم : أتستطيع إن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك ؟ قال صلى الله عليه و سلم : نعم ، قالت : فإذا جاءك فاخبرني به ، فجاءه جبريل علية السلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : يا خديجة ، هذا جبريل قد جاءني ، فقالت : قم فاجلس علي فخذي أليسري ، فقام رسول الله صلى الله عليه و سلم فجلس علي فخذها أليسري،فقالت : هل تراه ؟ قال : نعم ، قالت : فتحول فاجلس في حجري ، فتحول رسول الله صلى الله عليه و سلم فجلس في حجرها ، فقالت : هل تراه ؟ قال : نعم ، فتحسرت (1) فألقت خمارها و رسول الله صلى الله عليه و سلم جالس في حجرها ، ثم قالت : هل تراه ؟ قال : لا ،قالت : يا ابن عم اثبت و ابشر فوالله انه لملك ، و ما هذا شيطان .
إن الأمر لا يخصها لأنه يخص زوجها ، لذا فهي منشغلة بالتفكير في الأمر ، و هي بعقلها و خبرتها و علمها احتالت لتصل إلي الحقيقة ، فهي تعلم إن الملائكة يستحون ، فلما اخبرها النبي صلى الله عليه و سلم بانصراف جبريل حين ألقت خمارها ، علمت انه ملك .. يا ابن عم اثبت و ابشر فوالله انه لملك ، و ما هذا شيطان (2) .
ترابط و تعانق :
(1) تحسرت : كشفت عن رأسها
(2) السيرة النبوية ، لابن هشام (1/123 ، 124 )