فهذه ليلى تحجب عن قيس ويحول أمره إلى السلطان بشكاية من والدها، فيأمر السلطان بهدر دمه إن هو زارها استجابة لرغبة أسرتها في حصاره ومنعه:
ألا حُجِبَتْ ليلى وآلى أَميرُها ... عليّ يميناً جاهداً لا أَزورُها
وأَوعدَني فيها رجالٌ أَبرُّهُمْ ... أبي وأبوها خُشِّنتْ لي صُدورها
على غير شيءٍ غيرَ أَنّي أُحِبّها ... وأنّ فؤادي عند ليلى أَسيرُها(1)
ويشير في قصيدة أخرى إلى موقف الأهل ونصائحهم لأبنائهم، وتوجيههم لهؤلاء الأبناء إلى الاختيار الصحيح، واتقاء المشاكل، والرضا بما قدر عليهم وكتب:
أرى أهلَ ليلى لا يريدونني لها ... بشيءٍ ولا أهلي يريدونها ليا
قضى اللهُ بالمعروفِ منها لغيرنا ... وبالشوقِ والإبعاد منها قضى ليا(2)
وتظهر بثينة في شعر جميل مرتبكة خائفة محاصرة بالأهل والأقارب، ونراه من أجل إرضائها والحفاظ عليها يتجشم أموراً ما كان يرضاها، كما يسرد لنا قائمة بالمحاذير التي يخشاها وتخشاها هي معه، بل هي تطلب ذلك منه مداراة لوضعها وسمعة أسرتها:
وأَعْرِضْ إذا لاقيتَ عيناً تخافُها ... وظاهِرْ بِبُغْضٍ إنّ ذلك أَسترُ
فإنّك إن عرّضتَ فينا مقالةً ... يزِدْ في الذي قد قلتَ واشٍ مُكَثّر
وينْشُرُ سراً في الصديق وغيرهِ ... يعزُّ علينا نشرُهُ حينَ يُنْشَرُ
ولكنني، أَهلي فِداؤك أَتّقي ... عليك عيونَ الكاشحينَ وأحذَرُ
وأخشى بَني عمّي عليكَ وإنما ... يخافُ ويتقي عرضَهُ المتفكّرُ(3)
ويكثر جميل من مداراة الناس وإظهار غير ما في قلبه حرصاً على حبيبته وشرفها.
وأشد من يخافهم أسرتها وأقاربها، فإذا التقيا فإنما يلتقيان على حذر وخوف:
أرانيَ لا ألقى بثينةَ مرةً ... من الدهرِ إلاّ خائفاً أو على رَحْلِ
وربما حرمها وهو المحب، ونأى عنها وقلبه معلّق بها، فإذا غفلت العيون عنهما عادا إلى ما يحبان:
(1) ديوان قيس بن الملوح: 146.
(2) المصدر السابق: 306.
(3) ديوان جميل: 67