ويمكن أن أحمّل الأبيات معنى الدعاية والإعلان عن نعمة بناته ترغيباً فيهن.
وقد يغلو الأب في حرصه على مستقبل بناته، ويتشدّد في اصطفاء من يرضى بهم أزواجاً لهن، فيجلب لهن الشر من حيث أراد الخير على نحو ما نعرف من أمر نصيب الشاعر الأسود الذي أورث بناته لونه الأسود، وكان يحبهن حباً شديداً، ويربأ بهن عن العجم ولا يرغب فيهن عن العرب، فبقين عانسات، وصرن مثلاً للبنت يضن بها أبوها فلا يرضى من يخطبها ولا يرغب فيها من يرضاه لها وكان يقول فيهن:
ولولا أنُ يُقالَ صَبَا نُصيبٌ ... لقلتُ بنفسيَ النَّشَأُ الصغارُ
بنفسيَ كلُّ مهضومٍ حشاها ... إذا ظُلِمَتْ فليس لها انتصارُ(1)
ويكاد يكون أبو النجم العجلي نسيج وحده في حديثه عن ابنته، وفي وصاياه لها، وما أظنه إلا ساخراً فكهاً طريفاً قاصداً إلى الضحك والإثارة فيما قال، فهو يرسم لابنته صورة تمتزج فيها عاطفة الأبوة بروح الدعابة والمرح، فنراه يسخر من ابنته وهو تارة يهزأ من شكلها وتارة يوصيها بعض الوصايا التي تضمن لها حياة سعيدة إذا ما تزوجت. وشكلها على رأي والدها:
كأنَّ ظلاّمةَ أختَ شيبانْ
يتيمةٌ ووالداها حَيَّان
العنقُ منها عُطل والأذنان
والرأسُ قَمْلٌ كلُّه وصئبان
وليس في الرِجْلينِ إلا خيطان
وقُصّة قد شيَّطَتْها النيران(2)
وأما وصيته الفريدة فهي:
أوصيكِ يا بّنتي فإني ذاهبُ
أوصيكِ أنْ تَحمدَك القرائبُ
والجارُ والضيف الكريمُ الساغبُ
لا يرجعُ المسكينُ وهو خائبُ
ولا تني أظفارُكِ السلاهبُ
منهنَّ في وجهِ الحماةِ كاتبُ
والزوج إنَّ الزوجَ بئسَ الصاحب(3)
(1) ثمار القلوب: 222
(2) ديوان أبي النجم العجلي 223 ظلامة: اسم ابنته، العاطل: التي لا حلي لها. القصُة: مقدمة الرأس وهي صورة يفاكه بها هشام بن عبد الملك.
(3) المصدر السابق 66 السلاهب: الطوال