وينبغي أن أنصّ هنا على أن هذه الصور التي يرسمها الشعراء لزوجاتهم، ليست بغريبة على الشعر العربي، فقد سبقهم أسلافهم الجاهليون، وردّدوا القول في موقف المرأة من المال والكرم على ما هو شائع معروف في مقدمة "العذل أو الفروسية" وتتردد في شعر الخوارج الصورة الثانية للمرأة في هذه المقدمة، فنرى المرأة تعذل زوجها وتلومه وتعنّفه خوفاً عليه وإشفاقاً، فهو يلقي بنفسه إلى الموت دون أن يحسب للعواقب حساباً. فتحاول زوج أحد الشراة" أن تقعد به عن الخروج والقتال فيصمّ أذنيه عن سماع رأيها، ويدعوها إلى الإقصار عما هي فيه، ويعلن إصراره على الخروج دفاعاً عن المبدأ والعقيدة:
تعاتُبني عِرسي على أنْ أُطيعَها ... وقبَل سُليمى ما عصيتُ الغوانيا
فكُفَّي سليمى واتركي اللومَ إننّي ... أرى فتنةً صمّاءَ تُبْدي المخازيا
فكيفَ قعودي والشراةُ كما أرى ... عِزينَ يلاقون البلايا الدواهيا(1)
ويصور لنا عمرو بن الحصين العنبري روح المودّة والتراحم والوئام بينه وبين زوجه، فقد، أرّقها ما رأت من سوء حال زوجها وحزنه ودموعه، فهبت قبيل تبلّج الفجر تكفكف دموعه، وتسأل عما اعتراه، وتدعوه إلى الإقصار عما هو فيه، فقد عرفته صابراً جَلْداً قوياً فيما مضى، وهي في أثناء ذلك كله تبكي وتسرف في البكاء، يقول:
هبّتْ قُبيلَ تَبَلُّج الفجرِ ... هندٌ تقولُ ودمعُها يجري
إذْ أبصرت عيني وأدمُعَها ... ينهلُّ واكفُها على النحرِ
أنّى اعتراكَ وكنتَ عهديَ لا ... سَرِبَ الدموعِ وكنتَ ذا صبرِ(2)
(1) شعر الخوارج: زياد الأعسم 65، عزين: جماعات وأحزاب.
(2) شعر الخوارج: 84.