أستطيع أن أقول إن الكميت كان يعزز وجود المرأة من حيث لا يقصد، وكان لا يستطيع الاستغناء عما تضفيه على المقدمة الشعرية من سحر وعذوبة حتى في عرضه لأكثر الأفكار حساسية وثورية وتطرفا، وذلك من خلال نفيه السلبي والمتكرر لتأثير المرأة في حياته وسلوكه، وقد لفتت هذه الظاهرة نظر الباحثين، فسّجلوها ورأوها انحرافاً واضحاً عن تقاليد شعر الغزل العربي على نحو ما ذكر الدكتور يوسف خليف، قال "فهو يبدأ قصائده بمقدمات، ولكنها ليست تلك المقدمات التقليدية التي تدور حول الوقوف على الأطلال، وبكاء الديار، ووصف الدمن والأثار، وإنما تدور في عكس هذا الاتجاه، لقد حُبَب إلى الكميت- كما يقول فك- أن يعطي النسيب تحولاً سلبياً حينما يبرز في صورة التأكيد أن قلبه ليس ملكاً للغواني، ولا يطمح إلى حب النساء، وأن طربه لا يرجع إلى شوق أو غرام، فهو يبدأ قصائده بحديث الديار والأطلال، ولكنه ليس حديث الذي يقف عليها ليبكيها ويتحسر على ذكرياته فيها، وإنما حديث الذي يرفض الوقوف عليها أو البكاء فيها، بل الذي يرى في ذلك شيئاً لا يليق به ولا يتفق مع الهدف السامي الذي يقصد إليه في هذه القصائد، وهو مدح آل النبي ص. وهو لهذا كان يخرج من هذه المقدمة إلى موضوع قصائده مباشرة دون أن يعبر ذلك الجسر التقليدي الذي كان الشعراء القدماء يتفننون في إقامته وينتقلون عليه من مقدماتهم التقليدية إلى موضوعات قصائدهم، ومعنى هذا أن الكميت كان يدور في فلك القدماء حين يحرص على أن يجعل لقصائده مقدمات موضوعها الديار والأطلال ولكنه في داخل هذا الفلك يتجه اتجاهاً مضاداً لهم حين يصرح بأنه لا يقف على الديار، ولا يبكي الأطلال ولا يتذكر غراماً قديماً ولا يتبع قلبه ظعينة راحلة. فهي إن صحت العبارة مقدمات غزلية سلبية"(1).
(1) حياة الشعر في الكوفة 717.