تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قالت كان ذلك يا أمير المؤمنين وأرجو أن تكون لنا خلفاً بعده، فقال رجل من جلسائه كيف يا أمير المؤمنين وهي القائلة:

إمّا هلكْتَ أبا الحسينِ فلم تَزَلْ ... بالحقِّ تُعْرفُ هادياً مَهْديّا

فاذهبْ عليكَ صلاةُ ربّك ما دَعَتْ ... فوق الغصونِ حمامةٌ قُمْريَّا

قد كنتَ بعدَ محمّدٍ خَلَفاً كما ... أوصى إليكَ بنا فكنتَ وَفيّا

فاليومَ لا خَلَفٌ يؤمّلُ بعدَه ... هيهاتَ نأملُ بَعْدَهُ إنسيّا

قالت: يا أمير المؤمنين لسان نطق وقول صدق، ولئن تحقق فيك ما ظننا فحظك الأوفر"(1).

ولكن صورتها الثانية مختلفة أشدّ الاختلاف عن صورتها الأولى. كيف كانت صورة المرأة في شعر الشيعة؟ هل كانت موضوعاً للقصيدة، وباعثاً على الدخول في الفكرة الأساسية؟ إن ديوان شاعر الشيعة الأول الكميت بن زيد يبدّد الصورة السابقة، لتحلّ محلّها صورة هامشية سلبية، فهو ينكر أن تكون المرأة قد استغرقت خياله أو استطاعت أن تجذبه إلى ظلالها الوارفة. وهو -فيما يقول- لا يجد الفراغ الكافي للاستمتاع بهذه الملذات التي تمثلها المرأة، لأنه مشغول بقضية أخرى تمثل الهدف الأسمى في حياته.

إنها قضية الحزب الشيعي وهي حب آل البيت الكرام والاستغراق الفلسفي والفكري في الدعوة لهم والغضب من أجلهم والتنديد بأعدائهم الذين غدروا بهم وظلموهم. فهو دائم السخط والغضب على بني أمية، ودائم الحزن والأسى لما وصل إليه حال آل البيت من قتل وتشريد واضطهاد وتعذيب، وعن هذا المزيج من حب آل البيت والإحساس بالحزن والمرارة لمآلهم والشعور بالسخط والغضب على خصومهم صدر في كثير من شعره منوّهاً بأئمة الشيعة ومعدّداً شمائلهم، ومردداً هذه الأفكار في غير ملل أو ضجر فكأنه واحد من كبار دعاة هذا الحزب. ولعل هذا المزيج النفسي الفريد المعقد من الحب والكراهية والحزن والسخط والإعجاب هو الذي جعل الكميت ينفي عن نفسه كل حب آخر على نحو ما نرى في هذه الهاشمية الذائعة الصيت؟

(1) العقد الفريد 2/108-109

المرأة في الشعر الأموي (دراسة) · الصفحة ٢٥٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المرأة في الشعر الأموي (دراسة)ص ٢٥٥