وتصادفنا في هذا الشعر إشارات كثيرة متكرّرة صريحة الدلالة على طبيعة هذا المجتمع المحافظ، وعلى علاقة التنافر وسوء التكيف بين الشاعر ومجتمعه كأن يكنى الشاعر عن حبيبته باسم غيرها خشية عليها وعلى علاقته بها، أو كأن يظهر كلا المحبين للآخر بغضاً أمام الناس، أو أن توصي الحبيبة حبيبها بألا ينظر إلى نحوها إذا مرّ بدارها، بل أن ينظر إلى جهة أخرى كي يخدع الناس أو يغالطهم أو يمكر بهم، أو أن تتقنّع الفتاة عادة فإذا خشيت على حبيبها الأرصاد سفرت عن وجهها، فأدرك أن سفورها مخالف للمألوف فأنما هي تنذره، أو أن يتوعد الأهل والأقرباء هذا الحبيب، ويتنمرّون له، ويأتمرون به وقد يستعينون بالسلطان عليه، على نحو ما يظهر في قول جميل:
سأمنح طرفي حينَ ألقاكِ غيرَكُمْ ... لكي يحسبوا أَنَّ الهوى حيث أَنظرُ
وأكني بأسماءٍ سواكِ وأتّقي ... زيارتَكُمْ والحبُّ لا يتغيَّرُ
فكم قد رأينا واجداً بحبيبهِ ... إذا خافَ يُبدي بُغْضَهَ حينَ يَظْهَرُ(1)
-عَشيَّةَ قالت: لا تُضيعَنَّ سرَّنا ... إذا غِبتَ عنّا وارعَهُ حين تُدْبرُ
وأَعرضْ إذا لاقيتَ عيناً تخافُها ... وظاهِرْ ببغضٍ، إِنَّ ذلك أَستُر(2)
-إذا جئتَ فامنحْ طرفَ عينيكَ غَيرنا ... لكي يحسبوا أَن الهوى حيثُ تنظرُ
-فليتَ رجالاً فيكِ قد نذروا دمي ... وهمّوا بقتلي يا بثينَ لَقُوني
إذا مارأَوْني طالعاً مِنْ ثنيةٍ ... يقولون: مَنْ هذا؟ وقد عرفوني(3)
أو في قوله وهو يربط -على نحو مالاحظ الدكتور القط- بين الرغبة والمداراة والثكل ربطاً بديعاً:
إذا جئتُها وسطَ النساءِ منحتُها ... صدوداً كأن النفسَ ليسَ تريدُها
ولي نظرةٌ بعدَ الصدودِ مِنَ الجوى ... كنظرةِ ثكلى قد أُصيبَ وحيدُها
أو كما في قوله:
ألا حُجِبَتْ ليلى وآلى أَميرُها ... عليّ يميناً جاهداً لا أَزورُها
(1) ديوان جميل: 39.
(2) المصدر السابق: 38.
(3) ديوان جميل: 85.