تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ضجيعينِ في قبرٍ عن الناس مُعْزَلٍ ... ونُقْرَنُ يومَ البعثِ والحشرِ والنشرِ(1)

وماذا تمنى جميل في تعبيره عن الضيق بما يلاقيه من المجتمع ورقابته الشديدة. يا لها من أمنية غريبة وعجيبة أيضاً أن يقول:

ألا ليتني أعمى أَصمّ تقودُني ... بثينةُ لا يَخْفى عليَّ كلامُها(2)

أرأيت إلى أي حد وصل إحساس هؤلاء الشعراء بالتذمر والضيق من وطأة التقاليد وجور الأعراف الاجتماعية؟

وقد لاحظ الدكتور عبد القادر القط بروز ظاهرة الشكوى من العذّال والوشاة والرقباء بروزاً يفارق ماكانت عليه في العصر الجاهلي، ويلفت النظر، قال:

"وسنرى أن الواشي والرقيب والعذول شخصيات لايكاد يغيب وجهها في شعر العذريين. وقد أفاض عروة في الحديث عن الوشاة وصوّرهم وكأنهم "شرطة" موكلّون بتعقب المحبين"(3)ثم قال:

"ومن هنا كان فشل الشعراء في حبهم برغم تقواهم، وبرغم كل الظروف المهيئة للنجاح.

وليس غريباً إذن أن تطالعنا -كما قلت- وجوه الرقباء والواشين الموكلين بتعقب هؤلاء المحبين، في كثير من قصائد الشعر العذري ومقطوعاته، بعد أن كنا لانصادفها إلا لماماً في الشعر الجاهلي"(4).

وليس إسرافاً في التأويل أن أنّمي هذه الملاحظة، وأمتد بها، فأرى هؤلاء الوشاة والرقباء والعذال رموزاً للمجتمع، وأن حصارهم لهؤلاء العشاق هو رمز لحصار المجتمع ووطأة أعرافه وتقاليده. بل أنا أعتقد أن هذا هو ما أراده الدكتور القط، وإن لم ينص عليه نصاً صريحاً، فهو يقرن حديثه عنهم بالحديث عن المجتمع وشدة وطأته وصرامة تقاليده في مواطن متفرقة.

(1) ديوان المجنون: 164 الحوذان: نبات طيب الطعم.

(2) ديوان جميل: 77.

(3) في الشعر الإسلامي والأموي: 77.

(4) المرجع السابق: 84..

المرأة في الشعر الأموي (دراسة) · الصفحة ١٣٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المرأة في الشعر الأموي (دراسة)ص ١٣٠