القسم الأول: من ثبت أن نوع تجسسه هو إعانة واضحة للكفار على المسلمين، فمثل هذا لا يسمى (بالجاسوس المسلم) إلا باعتبار ما كان عليه، أو بالنظر إلى ما يتظاهر به ويدعيه كحال المنافقين، أما حقيقته فهو مرتدٌ إن لم يكن شر المرتدين لمضاهاته للزنادقة المتسترين المستسرين.
القسم الثاني: من قد يكون نوع تجسسه مشتبهاً بحيث لا تظهر فيه إعانته للكفار على المسلمين ظهوراً واضحاً، أو يكون قد تأول في حادثة معينة عابرة تأويلاً معتبراً، أو التبس عليه الأمر التباساً يعذر به في عدم تكفيره ونحو ذلك، فمن كان كذلك فهو الذي يمكن أن يسمى (بالجاسوس المسلم).
فأما عن القسم الأول: فالذي يظهر لي -والله تعالى أعلم - أن ما ذهب إليه الإمامان ابن القاسم وسحنون -وهو المشهور من مذهب السادة المالكية- هو الراجح، فمَن عُثر عليه من هؤلاء الجواسيس المُعِينيِن للكفار على المسلمين واطلع عليه فيتعين قتله سواء ادعى التوبة أم لا، فإن كان صادقاً مخلصاً فيها نفعته عند الله، وإن كان كاذباً مخادعاً فما ازداد بها إلا شراً وكان له نصيب ممن قال الله فيهم: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: 9 - 10]
وأما مَن جاء تائباً مِن قِبل نفسه قبل أن يقع في أيدي المجاهدين قُبلت توبته ورفع عنه القتل.
فمشابهة هذا النوع من الجواسيس للزنادقة من حيث إضمارهم لخيانة المسلمين، وإسرارهم لإيقاع الشر بهم، وإخفاؤهم لإعانة أعدائهم عليهم، ومشايعتهم للكفرة في حربهم لهم ظاهرةٌ بينةٌ، فالجامع بينهما (الزنديق والجاسوس) هو إضمار الشر أو الكفر والتظاهر بالإسلام والنصح مع وجود المخادعة والمخاتلة في ذلك، وقد علل بعض العلماء وجوب قتل الزنديق بأن ما يزعمه من التوبة -وهو رجوعه إلى الإسلام وإقلاعه عما كان عليه- لا يعدو أن يكون إعلاناً لما كان يدعيه من الإسلام، بل جعل بعضهم ادعاءه للتوبة بعد القدرة عليه هو عين الزندقة التي كان يتلبس بها لأنه لم يزد على إظهار ما كان يدعيه مما كان يجعله وقاية له من القتل.
كما أن المحارب (قاطع الطريق) قد ميز القرآن بين قبول توبته قبل القدرة وبعدها فقال الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 34]، مع أن ضرر هؤلاء المحاربين قطاع الطرق إنما يتعلق بالأموال ونهبها، والدماء وسفكها، أما ضرر الزنديق فيتعلق بالأديان وإفساد العقائد والتشكيك فيها، والضرر في الأديان لا شك أنه أعظم وأغلظ من الضرر في