كانت ألفاظها مختلفة- متفقٌ وهو نفي حاطب لأن يكون فعل ما فعل لأجل الكفر، أو الرضى به، أو الارتداد عن الدين، أو لعدم إيمانه بالله ورسوله.
فهنا ثلاث قضايا:
القضية الأولى: تتعلق بسؤال النبي صلى الله عليه وسلم لحاطب رضي الله عنه، فقد يقال إن سؤاله صلى الله عليه وسلم عن الحامل يدل على تعدده وتنوعه، إذ لو كان الدافع واحداً -لا يحتمل التعدد- لوقع محدداً معيناً، وحينئذٍ لا يُتصور البحث عن دوافع أخرى لعدم وجودها أصلاً، كما أن سؤاله عن تلك الدوافع مع عدم تأثيرها في الحكم وتأثره بها ينزل منزلة اللغو الذي ينزه عنه صلى الله عليه وسلم، ومثل ذلك فيما لو كانت تلك الدوافع كلها بمرتبة واحدة (أي الكفر)، فيكون سؤاله آنذاك في حكم من يقول: أي الدوافع المكفِّرة التي حملتك على ما فعلت؟ وهذا أيضاً بعيد ما دام ما يترتب عليها واحداً لا يختلف.
إلا أن هذا التقرير مدخولٌ باعتبار أن الدافع الذي قد يقع عليه السؤال لا يختص بالمحرك والباعث القلبي فقط، بل قد يتوجه هذا السؤال حتى في حق من يُرى أنه ارتكب كفراً صريحاً لمعرفة إن كان له عذرٌ شرعيٌ معتبرٌ أم لا، كما جاء في حديث الرجل الذي أمر أبناءه بحرقه بعد موته فعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: [إن رجلا كان قبلكم رغسه الله مالا، فقال لبنيه لما حضر: أي أب كنت لكم؟ قالوا: خير أب. قال: فإني لم أعمل خيرا قط، فإذا مت فأحرقوني، ثم اسحقوني، ثم ذروني في يوم عاصف، ففعلوا، فجمعه الله، فقال: ما حملك على ذلك؟ فقال: مخافتك، فتلقاه برحمته] رواه البخاري، ومسلم، وغيرهما. ولهذا نظائر.
القضية الثانية: تتعلق بجواب حاطب رضي الله عنه، إذ إنه لم يقتصر في جوابه على بيان الدافع للفعل وهو قوله: [أردت أن يكون لي عند القوم يد يدفع الله بها عن أهلي ومالي] وهو ما سأله عنه النبي صلى الله عليه وسلم، بل قرنه بأن ذلك لم يكن لأجل الردة عن الدين، أو الكفر والرضى به، أو التبديل والتغيير، وهذا يعني أن حاطباً قد تقرر عنده أن ما حمله على كتابة الرسالة (حفظ الأهلين) قد يكون مقروناً بدافع آخر وهو الردة والكفر والرضى به، فبين أن هذا الأمر منتف في حقه وليس شيء منها مما حمله على فعله، ولهذا جاء معلّلاً كقوله: [ولم أفعله كفراً ولا ارتداداً عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام]، ولو كان مجرد كتابته إلى كفار قريش ما كتب يعد فعلاً صريحاً في الكفر لكان هذا التعليل لا معنى له، لأن من فعل الكفر الصريح القطعي لا ينفعه قوله إنني لم أقصد بفعلي الكفر، فمن سجد للصنم مثلاً لا ينفعه أن يقول لم أسجد إليه كفراً، ولا ارتداداً، ولا رضى بالكفر بعد الإيمان،