تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالذي فرق بين الصورتين في الحكم فجزم بكفر الأول ولم يجزم بكفر الثاني، إنما هو وجود إعانة الكفار ومظاهرتهم في محاربتهم للمسلمين في صورة الأول وانعدامها في الثاني والله تعالى أعلم.

وقال -رحمه الله-: [فصح بهذا أن من لحق بدار الكفر والحرب مختاراً محارباً لمن يليه من المسلمين، فهو بهذا الفعل مرتد له أحكام المرتد كلها: من وجوب القتل عليه، متى قدر عليه، ومن إباحة ماله، وانفساخ نكاحه، وغير ذلك، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يبرأ من مسلم.] (المحلى: 11/ 249).

واللحوق بدار الكفر الذي ذكره ابن حزم ليس له تأثير مباشر في الحكم وإنما هو حكاية للصور المعهودة عندهم لوجود التمايز بين الدارين دار الإسلام ودار الكفر، وإنما مناط الحكم معلقٌ على حربه للمسلمين مختاراً، بل أشد منه من يبقى في ديار الإسلام وبين المسلمين ثم يمد أعداء الله الكفرة بالأخبار والأسرار مداً، ويرصد لهم عوراتهم رصداًً، ويرشدهم على مكامن الضعف وأبواب التسلط على المسلمين، فهو بذلك يقوم بما يعجز الكفرة عن القيام به بأنفسهم، وذلك لأن قتالهم العلني للمسلمين وغزوهم لديارهم يمكن أن تقوم به جيوشهم وحشودهم فإما أن يَغلبوا أو يُغلبوا، أما الخلوص إلى صفوف المسلمين والجَوْب في ديارهم والاطلاع على خفاياهم وسبر غور أحوالهم فلا يمكن أن يكون إلا من خلال "جند" الجواسيس الذين يكونون متظاهرين بالإسلام ولهذا كان شأنهم أخطر وضررهم أعظم ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون/4]

ومن المعلوم أن صفة (المحاربة) ليست مختصة باليد والسلاح، بل قد تكون باللسان أيضاً، أو بالكتابة كمن يسلط قلمه على الطعن في الدين والتشكيك في عقائده، والاستهزاء بأحكامه، والاستنقاص لأنبياء الله تعالى، فكل ذلك داخلٌ في معنى المحاربة التي ذكرها الإمام ابن حزم، كما قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: [المحاربة نوعان: محاربة باليد، ومحاربة باللسان، والمحاربة باللسان في باب الدين قد تكون أنكى من المحاربة باليد ... لذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام يقتل من كان يحاربه باللسان مع استبقائه بعض من حاربه باليد ... ما يفسده اللسان من الأديان أضعاف ما تفسده اليد، كما أن ما يصلحه اللسان من الأديان أضعاف ما تصلحه اليد، فثبت أن محاربة الله ورسوله باللسان أشد، والسعي في الأرض لفساد الدين باللسان أوكد] (الصارم المسلول: 1/ 392)

المعلم في حكم الجاسوس المسلم · الصفحة ٤٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المعلم في حكم الجاسوس المسلمص ٤٠