تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والقلة والذلة، واستعلاء الكفرة وتغلبهم بقواتهم الضخمة ومعداتهم المتطورة، ولم يكن اعتماد الكفرة في حربهم للمسلمين ومداهمتهم لبلدانهم على ما هو عليه اليوم والذي صار فيه الجواسيس قطب رحى الحرب وركيزتها التي تستند إليها استناداً تاماً أو شبه تام.

فالمقصود إذاً أن النظر في تهمة التجسس التي قد توجه إلى بعض الأفراد على سبيل القضاء مع التقيد التام بملحقاته وتوابعه، فهذا يعني بالضرورة عدم التعرض لهم بتاتاً، والكف التام عنهم ابتداءً مهما حامت حولهم الشكوك، وحف بهم من القرائن، ومن ثَم تركهم يعيثون في الأرض فساداً، يصولون ويجولون، وهم آمنون مطمئنون؛ لأن قضيتهم متعلقة بالقضاء، والقضاء مفقود والقضاة معدومون فمِمَ الخوف إذاً؟!

ولنستحضر دائماً أننا لا نتحدث هنا عن حادثة أو حادثتين أو حتى عشر يمكن التغاضي فيها والتجاوز عنها والتسامح في علاجها، وإنما الحديث عن ظاهرة واسعة استطار شرها، واستفحل ضررها، وتأصَّل فسادها، وتأكد إلحادها، وأصابت لُب الإسلام، واستعلى بسببها الكفرة اللئام، وتمكنوا عن طريقها من إصابة المجاهدين أينما حلوا حتى ولو كانوا في غرف نومهم وبين أهليهم وأبنائهم، وفي مراكبهم وتنقلاتهم، وتتبعوهم واصطادوهم اصطياد الرامي لصيده، والبازي لفريسته فحينما نتحدث عن هذه المشكلة لا ننظر إليها باعتبارها حوادث جزئية متفرقة، أو قضايا عابرة نادرة، بل أمرها ما ذكرتُ ووصفت، فلا بد أن يكون علاجها مكافئاً لحجمها مستحضراً لخطرها، وإلا فإننا لم نفعل شيئاً.

وعليه فإن مدار الأمر في هذه النازلة المطبقة على قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، وعلى قوله صلى الله عليه وسلم: [فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم] رواه مسلم عن أبي هريرة.

رابعاً: تتقابل في هذه المسألة مفسدتان، الأولى: مفسدة عظيمة عامة واقعةٌ متحققة ومتيقَّنة، والثانية: مفسدة خاصة محدودة متوقعة ومحتَملة، فأما الأولى: فهي ما يحصل للإسلام والمسلمين كل يوم من النكاية البالغة والفتك الشديد بسبب هؤلاء الجواسيس، فالقتل دائمٌ، والدمار شامل، والتنكيل متواصل، والأسر -للرجال والنساء- مستمر، والكفر مستعلٍ، وهذه الأمور كلها مشاهدة محسوسة لا يمكن لأحدٍ أن يتجاهلها أو يتغافل عنها، فليس شيء منها مجرد افتراضات واحتمالات وتوقعات، ونحن مأمورون شرعاً وعقلاً بكف عادية هؤلاء الكفرة ورد صيالهم عنا، وقطع دابر الأسباب التي

المعلم في حكم الجاسوس المسلم · الصفحة ١١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المعلم في حكم الجاسوس المسلمص ١١٤