تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما طال مقام موسى -عليه السلام- ببلاد مصر، وأقام بها حجج الله وبراهينه على فرعون وملئه، وهم في ذلك يكابرون ويعاندون، ولم يبق لهم إلا العذاب والنكال فأمر الله تعالى موسى -عليه السلام- أن يخرج ببني إسرائيل ليلا من مصر، وأن يمضي بهم حيث يؤمر.

علم فرعون بخروج بني إسرائيل دون إذنه فغاظه ذلك الأمر واشتد غضبه ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ (1) أي: فأرسل جنوده ليجمعوا له الناس من المدائن المتعددة في مملكته، وبعد أن اكتمل عددهم أخذ في التهوين من شأن موسى ومن معه؛ فقال: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ (2) أي إن هؤلاء الذين خرجوا بدون إذني وإذنكم، لطائفة قليلة من الناس الذين هم بمنزلة العبيد والخدم لي ولكم (3)، والشرذمة: الطائفة القليلة من الناس هكذا فسره المحققون من أئمة اللغة؛ فإتباعه بوصف «قليلون» للتأكيد لدفع احتمال استعمالها في تحقير الشأن أو بالنسبة إلى جنود فرعون (4)؛ فيسهل متابعتهم وأسرهم أو قتلهم أو إعادتهم إلى العبودية، وقد خالفوا ديننا وارتكبوا أفعالاً تُغِيظُنا وتُضِيقُ صدورنا ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾ (5) ونحن قوم من عادتنا التيقظ والحذر واستعمال الحزم في الأمور ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ (6).

فجمع فرعون الجموع الغفيرة، وخرجوا من النعيم إلى الجحيم، وتركوا البساتين الخضراء في مصر ومنازلهم الفخمة والمُلك والجاه، فساروا مسرعين خلف موسى ومن معه كما قال تعالى: {فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ

(1) سورة الشعراء، الأية: 53.

(2) سورة الشعراء، الأية: 54.

(3) طنطاوي، مرجع سابق، 9/ 249.

(4) ابن عاشور، مرجع سابق، 19/ 130.

(5) سورة الشعراء، الأية: 55.

(6) سورة الشعراء، الأية: 56.

الملك في ضوء القرآن الكريم · الصفحة ٢٢٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الملك في ضوء القرآن الكريمص ٢٢٦