ومن ذلك الطلب ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (1) فقال: فرعون لموسى -عليه السلام- بعد أن عرفه، وبعد هذا الطلب ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ (2) والاستفهام هنا تقريري (3)، فهل جزاء التربية والتكريم التي لقيتها عندنا وأنت وليدا؟ واليوم تأتي لتَخْرُجَ على المَلِكِ الذي نشأت في بيته، ويذكره بحادث مقتل القبطي ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ (4) دون أن يذكرها وعبر عنها بالموصول ﴿الَّتِي﴾ لعلم موسى بها، وفي ذلك تهويل للفعلة يكنى به عن تذكيره بما يوجب توبيخه (5)، ﴿وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ قال الزمخشري: من الكافرين بالنعم ومن كانت عادته كفران النعم لم يكن قتل خواص المنعم عليه بدعاً منه، أو من الكافرين لفرعون وآلهته ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ (6) (7).
أجاب موسى -عليه السلام- دون أن يتأثر بكلام فرعون: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ (8) فتذكيري بها بعد زمن طويل لا جدوى له، وكنت زمنها من الجاهلين قبل أن يوحى إلي ويُنْعم الله علي بالرسالة والنبوة ﴿فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ (9) حين أخبرني رجل فقال لي: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ (10) فوليت هاربا خوفاً من بأسكم ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (11)، ثم أضاف موسى -عليه السلام- إلى
(1) سورة الشعراء، الأية: 17.
(2) سورة الشعراء، الأية: 18.
(3) ابن عاشور، مرجع سابق، 19/ 111.
(4) سورة الشعراء، الأية: 18.
(5) ابن عاشور، مرجع سابق، 19/ 112.
(6) الزمخشري، مرجع سابق، 3/ 110.
(7) سورة الأعراف، الأية: 127.
(8) سورة الشعراء، الأية: 20.
(9) سورة الشعراء، الأية: 21.
(10) سورة القصص، الأية: 20.
(11) سورة الشعراء، الأية: 21.