تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والاستفهام في قوله: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى﴾ مستعمل في الإغراء بإهلاك موسى وقومه، والإنكار على الإبطاء بإتلافهم (1)؛ وكانت استجابة فرعون الطاغية للتعريض فورية، فجدد تنكيله ببني إسرائيل وهو قتل أولادهم، وتشديد قبضة السلطة عليهم، ليظلوا مقهورين أذلاء خائفين خاضعين له ﴿قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ (2)، ومضى فرعون ينفذ هذا الوعيد.

ولم يحفل موسى عليه السلام بهذا التهديد بل أوصى قومه بالصبر، ولوح لهم بالنصر ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (3) وقال موسى عليه السلام لقومه على سبيل التشجيع والتثبيت وألا يعجلوا حتى يأذن الله بالنصر وأن النصر قادم لا محالة وما فرعون وقومه إلا نزلاء فيها، وأن الله الذي وهبه ذلك المُلك قادر على نزعه منه، لأن الأرض ملك لله، وقصد موسى من هذا الكلام صرف اليأس عنهم وتثبيتهم.

ومن العجيب أن ما يقول فرعون من خلال القصة إلى الآن هو منطق الطغاة المستكبرين دائماً. فهم يلجئون إلى قوتهم المادية ليحموا بها آثامهم، وشهواتهم، وملكهم القائم على الظلم والبطش والمنافع الشخصية وما قاله الملأ لفرعون هو منطق حاشية السوء الذي يفرزه المُلك الفاسد فهو فاسد في نفسه مفسد لغيره، وما قاله موسى عليه السلام هو موقف المؤمنين الحق ولكن النفس البشرية تخاف عادة من تهديد صاحب السلطة، فخاف بنو إسرائيل؛ لأنهم كانوا قبل مجيء موسى مستضعفين في يد فرعون، كما بينا من سياق القصة فلما بعث موسى عليه السلام قوى رجاءهم في زوال تلك المتاعب، فلما سمعوا إعادة تهديد فرعون عظم خوفهم وحزنهم {قَالُوا

(1) ابن عاشور، مرجع سابق، 9/ 58.

(2) سورة الأعراف، الأية: 127.

(3) سورة الأعراف، الأية: 128.

الملك في ضوء القرآن الكريم · الصفحة ٢٠٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الملك في ضوء القرآن الكريمص ٢٠٩