موسى مرسل من رب العالمين ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ (1) قد تمكن الكفر من نفوسهم حتى كان كالجبلة فيهم.
علم موسى -عليه السلام- أنه مكلف أن يواجه فرعون وملئه بهذين البرهانين، فطلب من ربه أن يؤمنه من أعدائه؛ خشية أن يقتلوه عقابا على قتله المصري قبل خروجه من مصر إلى مدين ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾ (2) قالها لا ليعتذر أو ليتنصل من التبليغ، بل خوفاً من القبض عليه بتهمة القتل قبل أن يؤدي رسالة ربه والغرض المبعوث من أجله، ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ (3) وعيَّن هارون ولم يسأل غيره لما يعلم من أمانته وإخلاصه لله، وفصاحة لسانه، فطلب من الله -عز وجل- أن يجعله نبيا ورسولا معه، يكون له معيناً وناصراً، وسبباً مرجحاً في تصديق القوم له، فالرسولان معاً أقوى في نظر الناس من رسول واحد، وعلل طلب تأييده بأخيه قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾ (4)، فهذه المخافة الثانية وهي التكذيب، والأولى المخافة من القتل.
فأجابه الله تعالى إلى طلبه بقوله: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ (5) والشدة هي النجدة وثبات القلب (6)، فجعل الأخ هنا بمنزلة الرباط الذي يُشَدُّ به، وهو كناية عن تقويته بأخيه بأن يؤيده بفصاحته، ثم زاده الله البشارة والاطمئنان حين قال تعالى له: ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ (7)، قال ابن عاشور: السلطان هو التسلط على القلوب والنفوس والمهابة في قلوب الأعداء
(1) سورة القصص، الأية: 32.
(2) سورة القصص، الأية: 33.
(3) سورة القصص، الأية: 34.
(4) سورة القصص، الأية: 34.
(5) سورة القصص، الأية: 34.
(6) الأزهري، مرجع سابق، (2/ 1842).
(7) سورة القصص، الأية: 35.