قال الزجاج: أي صدها عن الإيمان العادة التي كانت عليها، لأنها نشأت ولم تعرف إلا قومًا يعبدون الشمس فصدتها العادة، وبيَّن عادتها بقوله: ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾.
قال: ويجوز أنها كانت من قوم كافرين فيكون المعنى: صدها كونها من قوم كافرين (1).
وهذا أقوى الأقوال في الآية -وإن كانت هناك أقوال أخرى ضعيفة- وهذا يدل على أن للبيئة التي يعيش فيها الإنسان، وللعادات التي يألفها تأثير على فكره واعتقاده وسلوكه.
2 - الإختبار الثاني: دخول الصرح:
بعد أن وصل سليمان إلى مراده، وتحقق هدفه من الإختبار الأول، ووجد أنه أمام امرأة عاقلة فطينة، بدأ إختبار ثانٍ للملكة كان قد خطط له جيداً، وأعده بإتقان وإحكام:
﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (2).
ما كادت الملكة تخرج من تأثير المفاجأة الأولى، وتعبر الإختبار الأول حتى وقعت في مفاجأة أخرى، ومرت بإختبار جديد لا يقل صعوبة عن الأول إن لم نقل إنه أصعب: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾. والصرح: هو القصر وكل بناء عال. وجمعه صروح (3).
وأوضح الإمام الراغب سبب تسمية القصر بالصرح فقال: «الصرح بيت عال مزوق، سمي بذلك اعتبارا بكونه صرحاً من الشوائب: أي خالصاً» (4).
(1) الزجاج، أبو إسحاق إبرهيم بن السري، معاني القرآن وإعرابه، ط 1، (القاهرة: دار الحديث،1414 ه-1997 م)، (4/ 122).
(2) سورة النمل، الأية: 44.
(3) الرازي، محمد بن أ بي بكر، مختار الصحاح، ط 1، (القاهرة: دار الحديث، 1421 ه-2000 م)، ص 203.
(4) الراغب الأصفهاني، مرجع سابق، ص 313.