تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد عشنا برهة من الزمان ننعم بألوان من النعم في الأديان والأبدان والأموال؛ والناس يصدرون عن قول علمائهم، ثم ما لبث الناس حتى وقعت في الأمة حوادث عظام من نزول العدو في ساحتها، وموقف كبار علمائها، فتتابعت الفتن، وطمع فينا كل كافر ومنافق، وشمت بنا العدو، واختلطت الآراء، وبرزت الأهواء، وظهرت قرون النفاق، وكلٌّ يدعي وصلاً بليلى.

كأننا في سفينة قد مات ربانها من علمائها الكبار، ثم شمر كل أحد عن ذراعيه، وحسر عنها، يقول: أنا أقودكم إلى بر الأمان، لا يلتفت بعضهم لبعض، ولا يرى بعضهم لبعض حقاً ومنزلة، وعلماً ورأياً، فصار من يعلم ومن لا يعلم، ومن يفقه ومن لا يفقه، ومن له دين راسخ ومن له نفاق ظاهر فاضح؛ كلهم يتكلم في مصالح الأمة، وكلهم يقول: الطريق هاهنا، ويقول: "إليّ إليّ.

كلٌ يدعي وصلاً بليلى، واختلط الأمر على كثير من الناس، وصار كثير من العامة لا يميزون المحق من المبطل، وهذه هي حقيقة الفتن.

إن حقيقة الفتن أن يلتبس الحق فيها بالباطل، وأن يبقى خفياً على كثير من الناس، والسعيد من نجاه الله -عز وجل- من الفتن كما أخبر بذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: ((إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، ولمن ابتلى فصبر فواها))(1).

قوله: ((واها)) معناه التلهف والتحسر أي واها لمن باشر الفتنة وسعى فيها، وقيل: معناه الإعجاب والاستطابة، أي ما أحسن وما أطيب صبر من صبر عليها(2).

المخرج من الفتن:

(1) أخرجه أبو داود في كتاب: الفتن والملاحم - باب: في النهي عن السعي في الفتنة (4263) (ج 2 / ص 503)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (2743).

(2) عون المعبود (ج 11 / ص 231-232).

المخرج من الفتن · الصفحة ٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المخرج من الفتنص ٨