تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا شك أنّ كل مسلم يعلم أنّ الإسلام هو الدين الحقّ، وأنّ ما عداه باطل ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85].

لذا فإن على كل عاقل أن يسلم لله رب العالمين؛ فإن لم يسلم فقد تنكّب الصراط المستقيم، وخالف مقتضى العقل وداعي الفطرة.

ولا يعني هذا منع الإنسان من التفكير، بل هو بتفكيره السليم منقادٌ للإيمان بالله - تعالى -.

وعلى هذا؛ فليس للإنسان حريّة في الاعتقاد، بل مطلوب منه الإيمان، ولكن لا يُكرَه عليه، فإن أُكره فإنّ إيمانه لا ينفعه؛ لأنّه لم يكن عن قناعةٍ واطمئنان قلب.

قال - تعالى -: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: 84 - 85].

أي: أنهم لمَّا عاينوا وقوع العذاب بهم وحَّدوا الله وكفروا بالطاغوت، ولكن حيث لا تقال العثرات ولا تنفع المعذرة.

إنَّ الله - تعالى - بعث الرسل وأنزل الكتب لبيان الحق ودلالة الخلق، وإقامة البراهين والآيات والمعجزات التي تدل كل صاحب تفكير سليم إلى الإيمان: ﴿قُلْ إنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إنْ هُوَ إلاَّ نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: 46].

وهذا فيه حريّة ظاهرة؛ إذ لا إكراه على اعتناق الإسلام مع أنّه المخلِّص للبشريّة من ضلالاتها، وسائر مشكلاتها، ﴿لا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: 256].

وشاهد هذا حال أهل الذمة الذين أقرهم المسلمون على دينهم دون أن يعرض أحد لهم، وإباحة الشرع للمسلم أن يتزوج كتابيّة ولو بقيت على دينها دون أن يجبرها على التخلي عنه.

أما من دخل في الإسلام فإنّه قد التزم أحكام الإسلام وعقيدته التي منها أن من ارتدّ عنه قتل؛ فهو بدخوله في الإسلام التزم بأحكامه التي منها عقوبته عند الإخلال به.

وإذا كان الإنسان مخيراً في دخول أي بلد، فإذا ما دخلها لزمه الانقياد لأنظمتها وإلا استحق العقوبة على إخلاله، وليس له أن يحتج بأنّه كان مخيراً قبل دخوله لها؛ بينما المرتدّ بردته ارتكب عدة جرائم: جريمة في حق نفسه إذ أضلها، وجريمة باستخفافه بعقيدة أمته ونظامها الذي يرتكز على الإسلام، وجريمة بتشكيكه لضعاف العقيدة في عقيدتهم، وهذا كله مؤدٍّ إلى اضطراب المجتمع واهتزازه؛ كما أنّه أعلن وجاهر بجريمته ولم يسرّ بها؛ لأنه لو أسرّ ردته صار منافقاً، ولمَّا أعلنها صار مرتداً مجاهراً(58).

وكل هذه الجرائم جرائم متناهية في البشاعة، فاستحق العقوبة الشرعيّة على جرائمه تلك. إن القوانين الوضعيّة تقتل الخائن لها والمحطّم لنظمها دون أن تتذرع بأنّه يمارس حريته الشخصيّة؛ فكيف بمن يجرم في حق نفسه ومجتمعه وعقيدة أمته؟!

وبعد: فقد كان من المناسب بيان أصول المكفرات وشروط الحكم بالكفر على من وقع فيه؛ فلعل أحداً من المختصين أن ينبري لبيانها أو بيان شيء من المهم منها، والله الموفق والهادي لا إله إلا هو.

----------------------------------------

(*) قاضٍ شرعي في المحكمة الشرعية بمكة المكرمة.

(1) تضمين من إعلام الموقعين لابن القيّم (3/126).

(2) منقول بتصرف واختصار من: إعلام الموقعين (3/130).

(3) معجم مقاييس اللغة (2/386)، لسان العرب (3/172).

(4) الروض المربع مع الحاشية (7/399).

(5) سير أعلام النبلاء (2/221)، طبقات ابن سعد (8/97).

(6) مجموع الفتاوى (7/278).

(7) تفسير ابن كثير (7/227)، السيرة النبوية لابن هشام (2/524)، تفسير الطبري (14/333).

(8) السيرة النبوية لابن هشام باختصار (1/476).

(9) مجموع الفتاوى (7/279).

(10) اجتالتهم: أي: استخفوهم فذهبوا بهم، وأزالوهم عما كانوا عليه. شرح النووي ص 1666.

(11) صحيح مسلم (2865).

(12) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم ص 53.

(13) المرجع السابق ص 54.

(14) صحيح البخاري (4477)، صحيح مسلم (141).

(15) انظر: مقاصد الشريعة الإسلامية وعلاقتها بالأدلة لمحمد سعد اليوبي ص 183، 210.

(16) صحيح البخاري (3892)، صحيح مسلم (1709).

(17) في ظلال القرآن (3/1231).

(18) انظر: التشريع الجنائي الإسلامي لعبد القادر عودة (1/662).

(19) عقوبة الإعدام عقوبة مقررة في الشرائع السابقة وفي القوانين الوضعيّة المعاصرة، وقد أيّدها عدد من المفكرين، منهم: روسو وفولتير ومونتسيكو وغيرهم، بل بعض الدول الغربية التي ألغت عقوبة الإعدام عادت فأقرتها، مثل: إيطاليا، وروسيا بحجّة أن من ارتكب جرماً خطيراً أو شديد الضرر فعليه أن يدفع حياته ثمناً لإثمه الكبير، وكونها عقوبة ضروريّة لتخليص المجتمع من الأشخاص الخطرين، وأنها تصرف عن الإقدام على الجريمة.

انظر: علم الإجرام والعقاب للدكتور عبّود السّراج ص 407 ـ 417، أساسيات علم الإجرام والعقاب للدكتور فتّوح الشاذلي ص 106 ـ 119، النظرية العامة لقانون العقوبات للدكتور سليمان عبد المنعم ص 729.

(20) تفسير الطبري (5/496).

(21) المرجع السابق.

(22) صحيح البخاري (7).

(23) انظر: فتح الباري لابن حجر (1/49).

(24) مجموع الفتاوى (7/281). (الإيمان الكبير).

(25) البداية والنهاية (16/612).

(26) البداية والنهاية (14/640).

(27) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (6/478).

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوه · الصفحة ٦٨٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوهص ٦٨٢