تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويظهر هذا بجلاء في المساعي التنصيريّة التي لا تزال تمارس نشاطاتها في العالم الإسلامي بصورة مباشرة حيناً، وبدعم التوجيهات غير الدينيّة من داخل بلاد الإسلام أحياناً أخرى، وهي مساعٍ عظيمة جداً ينفق عليها بسخاء كبير(282)، واستعملوا لتحقيقها عدة طرق: من التطبيب، والتعليم، ونشر الفتن والحروب، والأعمال الاجتماعية وغيرها.

ويتأكد هذا الأمر عندما نعلم مدى تأثير الدين في الحياة الأمريكية حتى يمتزج بجميع نواحي الحياة، وحتى يصبح من أقوى العوامل في نجاح المرشح في الانتخابات وفي فشله أيضاً(29).

عقوبة المرتد:

الإنسان باعتناقه للإسلام يعصم دمه وماله في الدنيا، وأما قبل إسلامه فإنّ الأصل أنه مباح الدم إلا إذا طرأ له عهد أو ذمة أو أمان أو مانع يمنع من قتله.

فكل شخص لم يعتنق الإسلام فالأصل أنّه مباح الدم إلا لعارض.

عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة؛ فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى»(30).

وعن أنس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله؛ فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وصلّوا صلاتنا، واستقبلوا قبلتنا، وأكلوا ذبيحتنا؛ فقد حُرِّمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها»(31).

فقوله: «عصموا مني دماءهم» وقوله: «حرمت علينا دماؤهم» يدل «على أنه كان مأموراً بقتل من أبى الإسلام.. فإذا نطق بالشهادتين عُصم دمه وصار مسلماً؛ فإذا دخل في الإسلام فإن أقام الصلاة وآتى الزكاة وقام بشرائع الإسلام فله ما للمسلمين وعليه ما عليهم»(32).

ويدل على ذلك قوله - تعالى -: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 193]. وقوله: ﴿فَإن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: 5].

فالإسلام هو العاصم عن إباحة دم الإنسان في الأصل، وأما غيره من الأسباب التي تمنع من قتل غير المسلم فهي أسباب طارئة تنتهي بانتهاء غايتها.

والمسلم نفسه متى ترك الإسلام عاد للحال التي كان عليها من حِل الدم والمال، بل هو أشد؛ لأن ضرره أعظم، ولأنه قد قامت عليه من الحجّة ما هو أبلغ من غيره.

وشيخ الإسلام ابن تيمية ذكر بعض أسباب القتل وكان منها: الكفر، وبيّن أن من الفقهاء من جعل نفس الكفر مبيحاً للدم، ومنهم من جعله وجود الضرر منه أو عدم النفع فيه، قال بعد ذلك: (أما المرتد فالمبيح عنده هو الكفر بعد الإيمان، وهو نوع خاصٌّ من الكفر؛ فإنّه لو لم يُقتَل لكان الداخل في الدين يخرج منه؛ فقتله حفظ لأهل الدين والدين؛ فإنّ ذلك يمنع من النقص ويمنعهم من الخروج عنه، بخلاف من لم يدخل فيه؛ فإنّه إن كان كتابياً فقد وجد إحدى غايتي القتل في حقّه وإن كان وثنياً.. ولم يمكن استرقاقه ولا أخذ الجزية منه بقي كافراً لا منفعة في حياته لنفسه؛ لأنه يزداد إثماً، ولا للمؤمنين؛ فيكون قتله خيراً من إبقائه)(33).

إذا تقررت هذه القاعدة من أن أكبر عاصم لمال الإنسان ودمه هو الإسلام؛ فإننا نعلم أن خروج الإنسان عن الإسلام بعده رافع لهذه العصمة، ولذا جاء الشرع في نصوص كثيرة جداً تبيّن حد المرتد وأنّه القتل.

فمنها قوله - تعالى -: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإن يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَّهُمْ وَإن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [التوبة: 74] فبين - تعالى - أن من كفر بعد إسلامه إن تاب كان خيراً له، وإلا يعذّب عذاباً أليماً في الدنيا والآخرة، وعذابه في الدنيا هو الحد.

قال شيخ الإسلام ابن تيميّة: (.. ولكونهم أظهروا الكفر والردة، لهذا دعاهم إلى التوبة فقال: ﴿فَإن يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَّهُمْ وَإن يَتَوَلَّوْا﴾ عن التوبة ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ وهذا لمن أظهر الكفر فيجاهده الرسول بإقامة الحد والعقوبة)(34).

وقال ابن الجوزي: (قوله - تعالى -: ﴿وَإن يَتَوَلَّوْا﴾ أي يُعرِضوا عن الإيمان ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ بالقتل وفي الآخرة بالنار)(35).

وقد أمر بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - في نصوص نبويّة كثيرة..

فمنها: عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من بَدّل دينه فاقتلوه»(36).

وعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: كنت عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالساً إذ دخل رجلان وافدين من عند مسيلمة، فقال لهما رسول الله: «أتشهدان أني رسول الله؟ » فقالا له: أتشهد أنت أن مسيلمة رسول الله؟ فقال: «آمنت بالله ورسله؛ لو كنت قاتلاً وافداً لقتلتكما»(37).

وجاء من حديث نعيم بن مسعود الأشجعي: «أما والله لولا أنّ الرسل لا تُقْتَل لضربت أعناقكما»(38).

وعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال: «ارتدت امرأة عن الإسلام فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يعرض عليها الإسلام وإلاّ قُتلت، فعرضوا عليها الإسلام فأبت إلا أن تقتل، فقُتلت»(39).

وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتل ابن خَطَل وقد كان مسلماً ثم ارتد مشركاً(40).

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوه · الصفحة ٦٨٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوهص ٦٨٠