تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فمن مكر الكفار وكيدهم القديم أن يدخل طائفة منهم في الإسلام ـ ظاهراً ـ حتى إذا سكن إليهم المسلمون، عادوا فارتدوا معلنين السَّخَط على الدين وعدم الرضى به، ليفتنوا المسلمين عن دينهم ويصدوهم عن سبيله.

وقد ذكر الله - تعالى - هذه المكيدة منهم في كتابه. قال - تعالى -: ﴿وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: 72].

قال قتادة: قال بعضهم لبعض: أعطوهم الرضا بدينهم أوّل النهار واكفروا آخره؛ فإنّه أجدر أن يصدقوكم، ويعلموا أنكم قد رأيتم فيهم ما تكرهون، وهو أجدر أن يرجعوا عن دينهم(20).

قال السُّدي: كان أحبار قرى عربيّة اثني عشر حِبْراً، فقالوا لبعضهم: ادخلوا في دين محمد أوّلَ النهار وقولوا: نشهد أن محمداً حق صادقٍ، فإذا كان آخر النهار فاكفروا وقولوا: إنَّا رجعنا إلى علمائنا وأحبارنا فسألناهم، فحدثونا أن محمداً كاذب، وأنكم لستم على شيء، وقد رجعنا إلى ديننا؛ فهو أعجب إلينا من دينكم، لعلهم يشكّون، يقولون هؤلاء كانوا معنا أوّل النهار؛ فما بالهم؟

فأخبر الله - عز وجل - رسوله - صلى الله عليه وسلم - بذلك(21).

2 ـ ضعف الإيمان فلا يثبت عند المحن:

من خالط الإيمان قلبه فإنّه لا يتزحزح عنه لأي طارئ، وقد سأل هرقل أبا سفيان ابن حرب قبل أن يسلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أسئلة يستكشف بها حقيقة حاله، فكان مما سأله: هل يرتدّ أحد منهم ـ أي أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ـ سخطةً لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فقال أبو سفيان: لا. فقال هرقل: وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب(22).

وفي رواية زاد: لا يسخطه أحد، وفي رواية: وكذلك حلاوة الإيمان لا تدخل قلباً فتخرج منه(23).

ولما ذكر شيخ الإسلام ابن تيميّة من انخذل من المسلمين يوم أحد مع عبد الله بن أُبي قال: «أولئك كانوا مسلمين، وكان معهم إيمان.. فلو ماتوا قبل المحنة والنفاق ماتوا على هذا الإسلام الذي يثابون عليه، ولم يكونوا من المؤمنين حقّاً الذين امتُحنوا فثبتوا على الإيمان، ولا من المنافقين حقّاً الذين ارتدوا عن الإيمان بالمحنة، وهذا حال كثير من المسلمين في زماننا أو أكثرهم، إذا ابتُلوا بالمحن التي يتضعضع فيها أهل الإيمان ينقص إيمانهم كثيراً، وينافق أكثرهم أو كثير منهم. ومنهم من يظهر الردّة إذا كان العدوّ غالباً؛ وقد رأينا ورأى غيرنا من هذا ما فيه عبرة.

وإذا كانت العافية، أو كان المسلمون ظاهرين على عددهم كانوا مسلمين.. )(24).

ولهذا كانت فائدة المحنة والابتلاء أن يظهر الصادق من الكاذب.

قال - تعالى -: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: 2 - 3].

وقال - تعالى -: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: 31].

3 ـ الافتتان بما لدى الكفار:

وهذا الافتتان يتخذ صوراً عديدة يجمعها ويربط بينها ضعف الشخصية الإيمانية والاقتناع التام بصدق المبدأ.

ومن ذلك الفتنة بما قد يُمَكّن للشخص من شهوات، فلما حاصر النصارى عكا سنة ست وثمانين وخمسمائة استمرت أمداد الفرنج تقدم عليهم من البحر كل وقت حتى إنَّ النساء ليخرجن بنيّة راحة الغرباء في الغربة، فقدم إليهم مركب فيه ثلاثمائة امرأة حسناء بهذه النيّة، حتى إنّ كثيراً من فسقة المسلمين تحيّزوا إليهم لأجل هذه النسوة(25).

وذكر ابن كثير(26) أيضاً قصة مجاهد يدعى: عبده بن عبد الرحيم وأنّه في بعض الغزوات نظر إلى امرأة من نساء الروم فهويها وتنصّر من أجلها، فاغتمّ المسلمون بسبب ذلك؛ فلما كان بعد مدة مروا عليه وهو معها، فقالوا: يا فلان! ما فعل قرآنك؟ فقال: اعلموا أنّي نسيت القرآن كله إلا قوله: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ * ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: 2 - 3].

ومنها: الافتتان بما لديهم من إتقان لأعمال الحياة الدنيا، ومهارتهم فيها، مع عجز المسلمين عن ذلك، (فظنوا أن من قدر على تلك الأعمال أنّه على الحق، وأنّ من عجز عنها متخلّف وليس على الحق، وهذا جهل فاحش... فقد أوضح ـ - جل وعلا - ـ في قوله - تعالى -: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: 7] أن أكثر الناس لا يعلمون، ويدخل فيهم أصحاب هذه العلوم الدنيويّة دخولاً أولياً؛ لأنهم لا يعلمون شيئاً عمن خلقهم.. ورزقهم، ولم يعلموا شيئاً عن مصيرهم الأخير، ومن غفل عن جميع هذا فليس معدوداً من جنس من يعلم.. بل علمهم في غاية الحقارة بالنسبة لما فاتهم)(27) لأنه لا يجاوز ظاهر الحياة الدنيا.

4 ـ سعي اليهود والنصارى:

وهذا السبب أوضح من أن أستشهد عليه أو أقرره؛ فقد بيّنه الله - تعالى - أتم بيان بقوله: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: 120].

وقال عن الكفار: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: 217].

وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إن تُطِيعُوا فَرِيقاً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 100].

وقال: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إيمَانِكُمْ كُفَّاراً﴾ [البقرة: 109].

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوه · الصفحة ٦٧٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوهص ٦٧٩