18 - حُقُوقُ اللَّهِ الْمَالِيَّةُ كَالزَّكَوَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالنُّذُورِ لَا تَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ , بَلْ يَجِبُ مَعَ التَّوْبَةِ تَبْرِئَةُ الذِّمَّةِ بِأَدَائِهَا كَمَا تَقَدَّمَ . أَمَّا حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرُ الْمَالِيَّةِ كَالْحُدُودِ مَثَلًا فَقَدْ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ جَرِيمَةَ قَطْعِ الطَّرِيقِ ( الْحِرَابَةُ ) تَسْقُطُ بِتَوْبَةِ الْقَاطِعِ قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ ; لقوله تعالى : ﴿ إلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ . فَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ قَاطِعَ الطَّرِيقِ إذَا تَابَ قَبْلَ أَنْ يُظْفَرَ بِهِ سَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ , وَالْمُرَادُ بِمَا قَبْلَ الْقُدْرَةِ فِي الْآيَةِ أَنْ لَا تَمْتَدَّ إلَيْهِمْ يَدُ الْإِمَامِ بِهَرَبٍ أَوْ اسْتِخْفَاءٍ أَوْ امْتِنَاعٍ . وَتَوْبَتُهُ بِرَدِّ الْمَالِ إلَى صَاحِبِهِ إذَا كَانَ قَدْ أَخَذَ الْمَالَ لَا غَيْرُ , مَعَ الْعَزْمِ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ لِمِثْلِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ . فَيَسْقُطُ عَنْهُ الْقَطْعُ أَصْلًا , وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْقَتْلُ حَدًّا , وَكَذَلِكَ إنْ أَخَذَ الْمَالَ وَقَتَلَ حَتَّى لَمْ يَكُنْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُ حَدًّا , وَلَكِنْ يَدْفَعَهُ إلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ يَقْتُلُونَهُ قِصَاصًا إذَا تَحَقَّقَتْ شُرُوطُهُ . وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْ الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلْ فَتَوْبَتُهُ النَّدَمُ عَلَى مَا فَعَلَ وَالْعَزْمُ عَلَى التَّرْكِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ . وَلَا يَسْقُطُ عَنْ الْمُحَارِبِ حَدُّ الزِّنَى وَالشُّرْبِ وَالسَّرِقَةِ إذَا ارْتَكَبَهَا حَالَ الْحِرَابَةِ ثُمَّ تَابَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الْأَظْهَرِ , وَهُوَ احْتِمَالٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ , وَمَفْهُومُ إطْلَاقِ الْحَنَفِيَّةِ فِي هَذِهِ الْحُدُودِ . وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ خِلَافُ الْأَظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهَا تَسْقُطُ عَنْ الْمُحَارِبِ إذَا تَابَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ لِعُمُومِ الْآيَةِ . أَمَّا حَدُّ الْقَذْفِ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْجِرَاحِ فَلَا تَسْقُطُ عَنْ الْمُحَارِبِ كَغَيْرِ الْمُحَارِبِ إلَّا أَنْ يُعْفَى لَهُ عَنْهَا .
19 - أَمَّا فِي غَيْرِ الْمُحَارَبَةِ فَإِنَّ الْحُدُودَ الْمُخْتَصَّةَ بِاَللَّهِ تَعَالَى كَحَدِّ الزِّنَى وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ فَلَا تَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ , وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ , وَالْأَظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ , وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ ; لقوله تعالى : ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ﴾ وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ : ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ﴾ وَهَذَا عَامٌّ فِي التَّائِبِينَ وَغَيْرِهِمْ ; وَلِأَنَّ ﴿ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَجَمَ مَاعِزًا وَالْغَامِدِيَّةَ , وَقَطَعَ الَّذِي أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ , وَقَدْ جَاءُوا تَائِبِينَ يَطْلُبُونَ التَّطْهِيرَ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ , وَقَدْ سَمَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِعْلَهُمْ تَوْبَةً فَقَالَ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ : لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِّمَتْ عَلَى سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ ﴾ وَالرَّأْيُ الثَّانِي وَهُوَ خِلَافُ الْأَظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَرَأْيٌ لِبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ إنْ تَابَ مَنْ عَلَيْهِ حَدٌّ مِنْ غَيْرِ الْمُحَارِبِينَ يَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ لقوله تعالى : ﴿ وَاَللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا ﴾ وَذَكَرَ حَدَّ السَّارِقِ ثُمَّ قَالَ : ﴿ فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ﴾ . عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ فَرَّقُوا بَيْنَ التَّوْبَةِ مِنْ هَذِهِ الْجَرَائِمِ قَبْلَ الرَّفْعِ لِلْإِمَامِ وَبَعْدَهُ فَيَقُولُونَ بِإِسْقَاطِ التَّوْبَةِ لَهَا قَبْلَ الرَّفْعِ لَا بَعْدَهُ . كَمَا فُصِّلَ فِي مُصْطَلَحَاتِهَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ عُقُوبَةَ الرِّدَّةِ تَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ الرَّفْعِ وَبَعْدَهُ . ( ر : رِدَّةٌ ) .
================
هـ - الرِّدَّةُ :(1)
ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّ الرِّدَّةَ - وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ - لَا تُبْطِلُ التَّيَمُّمَ فَيُصَلِّي بِهِ إذَا أَسْلَمَ ; لِأَنَّ الْحَاصِلَ بِالتَّيَمُّمِ الطَّهَارَةُ , وَالْكُفْرُ لَا يُنَافِيهَا كَالْوُضُوءِ ; وَلِأَنَّ الرِّدَّةَ تُبْطِلُ ثَوَابَ الْعَمَلِ لَا زَوَالَ الْحَدَثِ . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّ الرِّدَّةَ تُبْطِلُ التَّيَمُّمَ لِضَعْفِهِ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ لِقُوَّتِهِ .
==============
ب - ( فِي الْحُدُودِ ) :(2)
(1) - الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 5117)
(2) - الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 5571)