تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

6 - لَا يُشْتَرَطُ فِي التَّوْبَةِ عَدَمُ الْعَوْدِ إلَى الذَّنْبِ الَّذِي تَابَ مِنْهُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ , وَإِنَّمَا تَتَوَقَّفُ التَّوْبَةُ عَلَى الْإِقْلَاعِ عَنْ الذَّنْبِ وَالنَّدَمِ عَلَيْهِ وَالْعَزْمِ الْجَازِمِ عَلَى تَرْكِ مُعَاوَدَتِهِ , فَإِنْ عَاوَدَهُ مَعَ عَزْمِهِ حَالَ التَّوْبَةِ عَلَى أَنْ لَا يُعَاوِدَهُ صَارَ كَمَنْ ابْتَدَأَ الْمَعْصِيَةَ , وَلَمْ تَبْطُلْ تَوْبَتُهُ الْمُتَقَدِّمَةُ , وَلَا يَعُودُ إلَيْهِ إثْمُ الذَّنْبِ الَّذِي ارْتَفَعَ بِالتَّوْبَةِ , وَصَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ وَذَلِكَ بِنَصِّ الْحَدِيثِ : ﴿ التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ ﴾ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَعُودُ إلَيْهِ إثْمُ الذَّنْبِ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّ التَّوْبَةَ مِنْ الذَّنْبِ بِمَنْزِلَةِ الْإِسْلَامِ مِنْ الْكُفْرِ , وَالْكَافِرُ إذَا أَسْلَمَ هَدَمَ إسْلَامُهُ مَا قَبْلَهُ مِنْ إثْمِ الْكُفْرِ وَتَوَابِعِهِ , فَإِذَا ارْتَدَّ عَادَ إلَيْهِ الْإِثْمُ الْأَوَّلُ مَعَ الرِّدَّةِ . وَالْحَقُّ أَنَّ عَدَمَ مُعَاوَدَةِ الذَّنْبِ وَاسْتِمْرَارَ التَّوْبَةِ شَرْطٌ فِي كَمَالِ التَّوْبَةِ وَنَفْعِهَا الْكَامِلِ لَا فِي صِحَّةِ مَا مَضَى مِنْهَا . هَذَا وَاشْتَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ فِي ثُبُوتِ بَعْضِ أَحْكَامِ التَّوْبَةِ إصْلَاحَ الْعَمَلِ , فَلَا تَكْفِي التَّوْبَةُ حَتَّى تَمْضِيَ عَلَيْهِ مُدَّةٌ تَظْهَرُ فِيهَا آثَارُ التَّوْبَةِ وَيَتَبَيَّنُ فِيهَا صَلَاحُهُ عَلَى تَفْصِيلٍ يَأْتِي فِي آثَارِ التَّوْبَةِ .

=============

ب - تَوْبَةُ مَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ :(1)

14 - صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ - وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَنُسِبَ إلَى مَالِكٍ بِأَنَّهُ لَا تُقْبَلُ تَوْبَةُ مَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ ; لقوله تعالى : ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا ﴾ . وَلِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ﴾ وَالِازْدِيَادُ يَقْتَضِي كُفْرًا جَدِيدًا لَا بُدَّ مِنْ تَقَدُّمِ إيمَانٍ عَلَيْهِ . وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رضي الله عنه أُتِيَ بِرَجُلٍ فَقَالَ لَهُ : إنَّهُ أُتِيَ بِك مَرَّةً فَزَعَمْت أَنَّك تُبْت وَأَرَاك قَدْ عُدْت فَقَتَلَهُ . وَلِأَنَّ تَكْرَارَ الرِّدَّةِ مِنْهُ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ عَقِيدَتِهِ وَقِلَّةِ مُبَالَاتِهِ بِالدِّينِ فَيُقْتَلُ . وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ : إنَّهُ تُقْبَلُ تَوْبَةُ الْمُرْتَدِّ وَلَوْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ ; لِإِطْلَاقِ قوله تعالى : ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ وَلِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام : ﴿ أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ , فَإِذَا قَالُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ ﴾ . لَكِنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْمُرْتَدَّ الْمُتَكَرِّرَةُ مِنْهُ الرِّدَّةُ إذَا تَابَ ثَانِيًا عُزِّرَ بِالضَّرْبِ أَوْ بِالْحَبْسِ وَلَا يُقْتَلُ , قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ : إذَا ارْتَدَّ ثَانِيًا ثُمَّ تَابَ ضَرَبَهُ الْإِمَامُ وَخَلَّى سَبِيلَهُ , وَإِنْ ارْتَدَّ ثَالِثًا ثُمَّ تَابَ ضَرَبَهُ ضَرْبًا وَجِيعًا وَحَبَسَهُ حَتَّى تَظْهَرَ عَلَيْهِ آثَارُ التَّوْبَةِ وَيَرَى أَنَّهُ مُخْلِصٌ ثُمَّ خَلَّى سَبِيلَهُ , فَإِنْ عَادَ فَعَلَ بِهِ هَكَذَا أَبَدًا مَا دَامَ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى الْإِسْلَامِ , وَقَدْ جَاءَ مِثْلُ هَذَا عَنْ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ .

===============

ثَانِيًا : فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى :(2)

(1) - الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 4959)

(2) - الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 4963)

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوه · الصفحة ٣٨٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوهص ٣٨٦