ذَلِكَ لَوْ أَبْدَى الْمُعْتَرِضُ فِي صُورَةٍ عَدَمَ وَصْفِ الْمُعَارَضَةِ وَصْفًا آخَرَ يَقُومُ مَقَامَ مَا أَلْغَاهُ الْمُسْتَدِلُّ بِثُبُوتِ الْحُكْمِ دُونَهُ فَسَدَ الْإِلْغَاءُ ; لِابْتِنَائِهِ عَلَى اسْتِقْلَالِ الْبَاقِي فِي تِلْكَ الصُّورَةِ . وَقَدْ بَطَلَ , وَتُسَمَّى هَذِهِ الْحَالَةُ تَعَدُّدَ الْوَضْعِ لِتَعَدُّدِ أَصْلَيْهِمَا , وَالتَّعْلِيلُ فِي أَحَدِهِمَا بِالْبَاقِي عَلَى وَضْعٍ , أَيْ مَعَ قَيْدٍ , وَفِي الْآخَرِ عَلَى وَضْعٍ آخَرَ , أَيْ مَعَ قَيْدٍ آخَرَ . مِثَالُهُ : أَنْ يُقَالَ فِي مَسْأَلَةِ أَمَانِ الْعَبْدِ لِلْحَرْبِيِّ أَمَانٌ مِنْ مُسْلِمٍ عَاقِلٍ , فَيُقْبَلُ كَالْحُرِّ ; لِأَنَّ الْإِسْلَامَ وَالْعَقْلَ مَظِنَّتَانِ لِإِظْهَارِ مَصْلَحَةِ الْإِيمَانِ أَيْ بَذْلِ الْأَمَانِ وَجَعْلِهِ آمِنًا . فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ : هُوَ مُعَارَضٌ بِكَوْنِهِ حُرًّا , أَيْ الْعِلَّةُ كَوْنُهُ مُسْلِمًا عَاقِلًا حُرًّا . فَإِنَّ الْحُرِّيَّةَ مَظِنَّةُ فَرَاغِ قَلْبِهِ لِلنَّظَرِ لِعَدَمِ اشْتِغَالِهِ بِخِدْمَةِ السَّيِّدِ فَيَكُونُ إظْهَارُ مَصَالِحِ الْإِيمَانِ مَعَهُ أَكْمَلَ . فَيَقُولُ الْمُسْتَدِلُّ : الْحُرِّيَّةُ مُلْغَاةٌ لِاسْتِقْلَالِ الْإِسْلَامِ وَالْعَقْلِ بِهِ فِي صُورَةِ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ مِنْ قِبَلِ سَيِّدِهِ فِي أَنْ يُقَاتِلَ . فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ : إذْنُ السَّيِّدِ لَهُ خَلَفٌ عَنْ الْحُرِّيَّةِ . فَإِنَّهُ مَظِنَّةٌ لِبَذْلِ الْوُسْعِ فِيمَا تَصَدَّى لَهُ مِنْ مَصَالِحِ الْقِتَالِ , أَوْ لِعِلْمِ السَّيِّدِ صَلَاحَهُ لِإِظْهَارِ مَصَالِحِ الْإِيمَانِ . وَجَوَابُ تَعَدُّدِ الْوَضْعِ : أَنْ يُلْغِيَ الْمُسْتَدِلُّ ذَلِكَ الْخَلَفَ بِإِبْدَاءِ صُورَةٍ لَا يُوجَدُ فِيهَا الْخَلَفُ . فَإِنْ أَبْدَى الْمُعْتَرِضُ خَلَفًا آخَرَ فَجَوَابُهُ إلْغَاؤُهُ . وَعَلَى هَذَا , إلَى أَنْ يَقِفَ أَحَدُهُمَا . فَتَكُونُ الدَّبْرَةُ عَلَيْهِ . فَإِنْ ظَهَرَ صُورَةٌ لَا خَلَفَ فِيهَا تَمَّ الْإِلْغَاءُ , وَبَطَلَ الِاعْتِرَاضُ , وَإِلَّا ظَهَرَ عَجْزُ الْمُسْتَدِلِّ ( وَلَا يُفِيدُ الْإِلْغَاءَ لِضَعْفِ الْمَظِنَّةِ ) الْمُتَضَمِّنَةِ لِذَلِكَ الْمَعْنَى ( بَعْدَ تَسْلِيمِهَا ) . مِثَالُهُ : أَنْ يَقُولَ الْمُسْتَدِلُّ : الرِّدَّةُ عِلَّةُ الْقَتْلِ . فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ : بَلْ مَعَ الرُّجُولِيَّةِ ; لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الْإِقْدَامِ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ , إذْ يُعْتَادُ ذَلِكَ مِنْ الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ . فَيُجِيبُ الْمُسْتَدِلُّ : بِأَنَّ الرُّجُولِيَّةَ وَكَوْنَهَا مَظِنَّةَ الْإِقْدَامِ لَا تُعْتَبَرُ , وَإِلَّا لَمْ يُقْتَلْ مَقْطُوعُ الْيَدَيْنِ ; لِأَنَّ احْتِمَالَ الْإِقْدَامِ فِيهِ ضَعِيفٌ , بَلْ أَضْعَفُ مِنْ احْتِمَالِهِ فِي النِّسَاءِ , وَهَذَا لَا يُقْبَلُ مِنْهُ , حَيْثُ سَلَّمَ أَنَّ الرُّجُولِيَّةَ مَظِنَّةٌ اعْتَبَرَهَا الشَّارِعُ . وَذَلِكَ كَتَرَفُّهِ الْمَلِكِ فِي السَّفَرِ لَا يَمْنَعُ رُخَصَ السَّفَرِ فِي حَقِّهِ لِعِلَّةِ الْمَشَقَّةِ , إذْ الْمُعْتَبَرُ الْمَظِنَّةُ وَقَدْ وُجِدَتْ لَا مِقْدَارُ الْحِكْمَةِ لِعَدَمِ انْضِبَاطِهَا ( وَلَا يَكْفِي الْمُسْتَدِلَّ رُجْحَانُ وَصْفِهِ ) قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ : لَا يَكْفِي الْمُسْتَدِلَّ رُجْحَانُ وَصْفِهِ خِلَافًا لِلْآمِدِيِّ ; لِقُوَّةِ بَعْضِ أَجْزَاءِ الْعِلَّةِ , كَالْقَتْلِ عَلَى الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ ( أَمَّا إنْ اتَّفَقَا عَلَى كَوْنِ الْحُكْمِ مُعَلَّلًا بِأَحَدِهِمَا ) أَيْ أَحَدِ الْوَصْفَيْنِ ( قُدِّمَ الرَّاجِحُ وَلَا يَكْفِي كَوْنُهُ مُتَعَدِّيًا ) لِاحْتِمَالِ تَرْجِيحِ الْقَاصِرِ . قَالَ الْعَضُدُ : هَذَانِ وَجْهَانِ تُوُهِّمَا جَوَابًا لِلْمُعَارَضَةِ وَلَا يَكْفِيَانِ . الْأَوَّلُ : رُجْحَانُ الْمُعَيَّنِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الْمُسْتَدِلُّ فِي جَوَابِ الْمُعَارَضَةِ : مَا عَيَّنْته مِنْ الْوَصْفِ رَاجِحٌ عَلَى مَا عَارَضْت بِهِ , ثُمَّ يُظْهِرُ وَجْهًا مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ . وَهَذَا الْقَدْرُ غَيْرُ كَافٍ ; لِأَنَّهُ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اسْتِقْلَالَ وَصْفِهِ أَوْلَى مِنْ اسْتِقْلَالِ وَصْفِ الْمُعَارَضَةِ ; إذْ لَا يُعَلَّلُ بِالْمَرْجُوحِ مَعَ وُجُودِ الرَّاجِحِ , لَكِنَّ احْتِمَالَ الْجُزْئِيَّةِ بَاقٍ , وَلَا بُعْدَ فِي تَرْجِيحِ بَعْضِ الْأَجْزَاءِ عَلَى بَعْضٍ فَيَجِيءُ التَّحَكُّمُ . الثَّانِي : كَوْنُ مَا عَيَّنَهُ الْمُسْتَدِلُّ مُتَعَدِّيًا وَالْآخَرُ قَاصِرًا غَيْرُ كَافٍ فِي جَوَابِ الْمُعَارَضَةِ , إذْ مَرْجِعُهُ التَّرْجِيحُ بِذَلِكَ , فَيَجِيءُ التَّحَكُّمُ . هَذَا وَالشَّأْنُ فِي التَّرْجِيحِ فَإِنَّهُ إنْ رُجِّحَتْ الْمُتَعَدِّيَةُ بِأَنَّ اعْتِبَارَهُ يُوجِبُ الِاتِّسَاعَ فِي الْأَحْكَامِ , وَبِأَنَّهَا مُتَّفَقٌ عَلَى اعْتِبَارِهَا بِخِلَافِ الْقَاصِرَةِ رُجِّحَتْ الْقَاصِرَةُ بِأَنَّهَا مُوَافِقَةٌ لِلْأَصْلِ . إذْ الْأَصْلُ عَدَمُ الْأَحْكَامِ , وَبِأَنَّ اعْتِبَارَهَا إعْمَالٌ لِلدَّلِيلَيْنِ مَعًا , دَلِيلِ الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ وَدَلِيلِ الْقَاصِرَةِ , بِخِلَافِ إلْغَائِهَا . ( وَيَجُوزُ تَعَدُّدُ أُصُولِ الْمُسْتَدِلِّ ) عَلَى الصَّحِيحِ ; لِأَنَّ الظَّنَّ يَقْوَى بِالتَّعَدُّدِ , وَكَمَا أَنَّ أَصْلَ الظَّنِّ مَقْصُودٌ , فَقُوَّتُهُ أَيْضًا مَقْصُودَةٌ ( وَ )
المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوه · الصفحة ٣٢٧
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوهص ٣٢٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي