أَعْلَمُ .
=================
( فَصْلٌ ) ( إذَا وَرَدَ ) عَنْ الشَّارِعِ لَفْظٌ ( عَامٌّ وَ ) لَفْظٌ ( خَاصٌّ , قُدِّمَ الْخَاصُّ مُطْلَقًا )(1)
أَيْ سَوَاءٌ كَانَا مُقْتَرِنَيْنِ , مِثْلَ : مَا لَوْ قَالَ فِي كَلَامٍ مُتَوَاصِلٍ : اُقْتُلُوا الْكُفَّارَ وَلَا تَقْتُلُوا الْيَهُودَ , أَوْ يَقُولُ : زَكُّوا الْبَقَرَ , وَلَا تُزَكُّوا الْعَوَامِلَ , أَوْ كَانَا غَيْرَ مُقْتَرِنَيْنِ , سَوَاءٌ كَانَ الْخَاصُّ مُتَقَدِّمًا أَوْ مُتَأَخِّرًا , وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ . لِأَنَّ فِي تَقْدِيمِ الْخَاصِّ عَمَلًا بِكِلَيْهِمَا , بِخِلَافِ الْعَكْسِ . فَكَانَ أَوْلَى . وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ فِي صُورَةِ الِاقْتِرَانِ تَعَارُضُ الْخَاصِّ لِمَا قَابَلَهُ مِنْ الْعَامِّ , وَلَا يُخَصَّصُ بِهِ . وَعَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رضي الله عنه رِوَايَةٌ فِي غَيْرِ الْمُقْتَرِنَيْنِ مُوَافَقَةٌ لِقَوْلِ أَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ : أَنَّهُ إنْ تَأَخَّرَ الْعَامُّ نُسِخَ , وَإِنْ تَأَخَّرَ الْخَاصُّ نُسِخَ مِنْ الْعَامِّ بِقَدْرِهِ . فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ : إنْ جُهِلَ التَّارِيخُ وُقِفَ الْأَمْرُ حَتَّى يُعْلَمَ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ الصَّحِيحُ . سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ﴾ خَصَّ قوله تعالى ( ﴿ وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ ﴾ ) قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : عَلَى هَذَا عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ , وَرُوِيَ مَعْنَاهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ . مِنْهُمْ : عُثْمَانُ وَطَلْحَةُ وَحُذَيْفَةُ وَجَابِرٌ وَابْنُ عَبَّاسٍ . وَأَيْضًا : الْخَاصُّ قَاطِعٌ أَوْ أَشَدُّ تَصْرِيحًا , وَأَقَلُّ احْتِمَالًا , وَلِأَنَّهُ لَا فَرْقَ لُغَةً بَيْنَ تَقْدِيمِ الْخَاصِّ وَتَأْخِيرِهِ ( وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا ) أَيْ مِنْ اللَّفْظَيْنِ الْوَارِدَيْنِ ( عَامًّا مِنْ وَجْهٍ . خَاصًّا مِنْ وَجْهٍ ) آخَرَ , مِثَالُهُ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم ﴿ مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا ﴾ مَعَ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم : ﴿ لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ ﴾ فَالْأَوَّلُ : خَاصٌّ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ الْفَائِتَةِ , عَامٌّ فِي الْوَقْتِ , وَالثَّانِي : عَامٌّ فِي الْمَكْتُوبَةِ وَالنَّافِلَةِ , خَاصٌّ فِي الْوَقْتِ , وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم ﴿ مَنْ بَدَّلَ دَيْنَهُ فَاقْتُلُوهُ ﴾ مَعَ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم ﴿ نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ ﴾ فَالْأَوَّلُ عَامٌّ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ , خَاصٌّ فِي الْمُرْتَدِّينَ . وَالثَّانِي : خَاصٌّ فِي النِّسَاءِ , عَامٌّ فِي الْحَرْبِيَّاتِ وَالْمُرْتَدَّاتِ , إذَا عُلِمَ ذَلِكَ : فَالصَّحِيحُ أَنَّهُمَا إذَا وَرَدَا ( تَعَارَضَا ) لِعَدَمِ أَوْلَوِيَّةِ أَحَدِهِمَا بِالْعَمَلِ بِهِ دُونَ الْآخَرِ ( وَطُلِبَ الْمُرَجِّحُ ) مِنْ خَارِجٍ , وَقَدْ تَرَجَّحَ قَوْلُهُ ﴿ مَنْ بَدَّلَ دَيْنَهُ فَاقْتُلُوهُ ﴾ عَلَى اخْتِصَاصِ الثَّانِي , وَهُوَ قَوْلُهُ ﴿ نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ ﴾ بِسَبَبِهِ النَّاشِئِ عَنْ قَتْلِ الْحَرْبِيَّاتِ . وَقِيلَ : الْمُتَأَخِّرُ مِنْهُمَا نَاسِخٌ . وَحُكِيَ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ ( وَإِذَا وَافَقَ خَاصٌّ عَامًّا ) بِأَنْ . يَرِدْ لَفْظٌ عَامٌّ , وَيَأْتِي لَفْظٌ خَاصٌّ , هُوَ بَعْضٌ لِذَلِكَ الْعَامِّ وَدَاخِلٌ فِيهِ , نَحْوُ ﴿ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم فِي شَاةِ مَيْمُونَةَ دِبَاغُهَا طُهُورُهَا ﴾ فَهَذَا خَاصٌّ وَهُوَ بَعْضُ أَفْرَادِ الْعَامِّ ( لَمْ يُخَصِّصْهُ ) أَيْ لَمْ يُخَصِّصْ الْخَاصُّ الْعَامَّ لِمُوَافَقَتِهِ لَهُ . وَقِيلَ : بَلَى , اسْتَدَلَّ لِلْأَوَّلِ بِأَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا فَيُعْمَلَ بِهِمَا . وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ أَيْضًا : قوله تعالى ﴿ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى ﴾ فَذِكْرُهُ بَعْدَهُ لَيْسَ تَخْصِيصًا لِلْأَوَّلِ بِإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى , بَلْ اهْتِمَامًا بِهَذَا النَّوْعِ , فَإِنَّ عَادَةَ الْعَرَبِ إذَا اهْتَمَّتْ بِبَعْضِ أَنْوَاعِ الْعَامِّ خَصَّصَتْهُ بِالذِّكْرِ , إبْعَادًا لَهُ عَنْ الْمَجَازِ وَالتَّخْصِيصِ بِذَلِكَ النَّوْعِ , وَكَذَا قوله تعالى ﴿ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ ﴾ وَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ قوله تعالى ﴿ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ﴾ لِأَنَّ فَاكِهَةً مُطْلَقٌ ( وَلَا تَخُصُّ عَادَةٌ عُمُومًا , وَلَا تُقَيِّدُ ) الْعَادَةُ ( مُطْلَقًا ) نَحْوُ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الرِّبَا فِي الطَّعَامِ وَعَادَتُهُمْ الْبُرُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالشَّافِعِيَّةِ , خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ . وَلِهَذَا لَا نَقْضَ بِنَادِرٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ . قَصْرًا لِلْغَائِطِ عَلَى الْمُعْتَادِ . وَذَكَرَهُ الْقَاضِيَ فِي مَوَاضِعَ : وَجْهُ الْأَوَّلِ الْعُمُومُ لُغَةً وَعُرْفًا , وَالْأَصْلُ عَدَمُ مُخَصَّصٍ , وَفِي شَرْحِ الْعُنْوَانِ لِابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ أَنَّ الصَّوَابَ التَّفْصِيلُ بَيْنَ الْعَادَةِ الرَّاجِعَةِ إلَى الْفِعْلِ , وَالرَّاجِعَةِ إلَى الْقَوْلِ , فَيُخَصَّصُ بِالثَّانِيَةِ الْعُمُومُ لِسَبْقِ الذِّهْنِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إلَيْهِ دُونَ الْأُولَى ,
(1) -شرح الكوكب المنير - (ج 2 / ص 195)