وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهَا , وَيَحِقُّ أَنْ نُعِيدَهُ لِعِظَمِهِ , وَقَدْ نَادَى اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ أَوَّلُ مَنْ اقْتَحَمَ هَذَا , وَلَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِينَا مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : ﴿ وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَى أُمَّتِي مَا أَتَى عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ , حَتَّى لَوْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ يَأْتِي أُمَّهُ عَلَانِيَةً , كَانَ فِي أُمَّتِي مَنْ يَصْنَعُ ذَلِكَ ﴾ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَغَيْرُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ فِيهِ ﴿ : اُقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ ﴾ . وَلَقَدْ كَتَبَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي ذَلِكَ إلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ , فَكَتَبَ إلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ : عَلَيْهِ الرَّجْمُ . وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ : إنَّ الْعَرَبَ تَأْنَفُ مِنْ الْعَارِ وَشُهْرَتِهِ أَنَفًا لَا تَأْنَفُهُ مِنْ الْحُدُودِ الَّتِي تَمْضِي فِي الْأَحْكَامِ , فَأَرَى أَنْ تُحَرِّقَهُ بِالنَّارِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : صَدَقَ أَبُو الْحَسَنِ . فَكَتَبَ إلَى خَالِدٍ أَنْ أَحْرِقْهُ بِالنَّارِ , فَفَعَلَ . فَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : لَا أَرَى خَالِدًا أَحْرَقَهُ إلَّا بَعْدَ قَتْلِهِ ; لِأَنَّ النَّارَ لَا يُعَذِّبُ بِهَا إلَّا اللَّهُ تَعَالَى . قَالَ الْقَاضِي : لَيْسَ كَمَا زَعَمَ ابْنُ وَهْبٍ , كَانَ عَلِيٌّ يَرَى الْحَرْقَ بِالنَّارِ عُقُوبَةً , وَلِذَلِكَ كَانَ مَا أَخْبَرَنَا أَبُو الْمَعَالِي ثَابِتُ بْنُ بُنْدَارٍ الْبَرْقَانِيُّ الْحَافِظُ , أَخْبَرَنَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ , حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ هَاشِمٍ الْبَغَوِيّ , حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ , حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ قَالَ : رَأَيْت عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ , وَأَيُّوبَ , وَعَمَّارًا الرَّهِينِيُّ , اجْتَمَعُوا فَتَنَاكَرُوا الَّذِينَ حَرَقَهُمْ عَلِيٌّ , فَحَدَّثَ أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَمَّا بَلَغَهُ قَالَ : لَوْ كُنْت أَنَا مَا أَحْرَقْتُهُمْ ؟ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ﴿ لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ ﴾ , وَلَقَتَلْتُهُمْ " ; لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم : ﴿ مَنْ تَرَكَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ ﴾ . فَقَالَ عَمَّارٌ : لَمْ يَكُنْ حَرَقَهُمْ , وَلَكِنَّهُ حَفَرَ لَهُمْ حَفَائِرَ , وَخَرَقَ بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ , ثُمَّ دَخَنَ عَلَيْهِمْ حَتَّى مَاتُوا . فَقَالَ عَمَّارٌ : قَالَ الشَّاعِرُ : لِتَرْمِ بِي الْمَنَايَا حَيْثُ شَاءَتْ إذَا لَمْ تَرْمِ بِي فِي الْحُفْرَتَيْنِ إذَا مَا أَجَّجُوا حَطَبًا وَنَارًا هُنَاكَ الْمَوْتُ نَقْدًا غَيْرَ دَيْنِ وَمِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ بُكَيْر مَا يُصَدِّقُ ذَلِكَ : عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ وَجَدَ فِي ضَوَاحِي الْعَرَبِ رَجُلًا يُنْكَحُ كَمَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ كَانَ اسْمُهُ الْفُجَاءَةُ , فَاسْتَشَارَ أَبُو بَكْرٍ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَفِيهِمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ , وَكَانَ يَوْمَئِذٍ أَشَدَّ فِيهِمْ قَوْلًا , فَقَالَ عَلَيَّ : إنَّ هَذَا الذَّنْبَ لَمْ تَعْصِ بِهِ أُمَّةٌ مِنْ الْأُمَمِ , إلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً , صَنَعَ اللَّهُ بِهَا مَا عَلِمْتُمْ ; أَرَى أَنْ يُحْرَقَ بِالنَّارِ . فَاجْتَمَعَ رَأْيُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُحْرَقَ بِالنَّارِ , فَكَتَبَ أَبُو بَكْرٍ إلَى خَالِدِ بْن الْوَلِيدِ أَنْ يَحْرِقَهُمْ بِالنَّارِ , فَأَحْرَقَهُمْ بِالنَّارِ , ثُمَّ أَحْرَقَهُمْ ابْنُ الزُّبَيْرِ فِي زَمَانِهِ , ثُمَّ أَحْرَقَهُمْ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ , ثُمَّ أَحْرَقَهُمْ خَالِدُ الْقَسْرِيُّ بِالْعِرَاقِ . وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ أُتِيَ بِسَبْعَةٍ أُخِذُوا فِي لِوَاطٍ , فَسَأَلَ عَنْهُمْ , فَوُجِدُوا أَرْبَعَةً قَدْ أُحْصِنُوا , فَأَمَرَ بِهِمْ فَخَرَجَ بِهِمْ مِنْ الْحَرَمِ , ثُمَّ رُجِمُوا بِالْحِجَارَةِ , حَتَّى مَاتُوا , وَجَلَدَ الثَّلَاثَةَ حَتَّى مَاتُوا بِالْحَدِّ . قَالَ : وَعِنْدَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ , وَابْنُ عُمَرَ , فَلَمْ يُنْكِرَا عَلَيْهِ . وَقَدْ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى هَذَا , وَاَلَّذِي صَارَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَحَقُّ , وَهُوَ أَصَحُّ سَنَدًا , وَأَقْوَى مُعْتَمَدًا , حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ قَبْلَ هَذَا . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ حَدِّ اللِّوَاطِ , فَقَالَ : يُصْعَدُ بِهِ فِي الْجَبَلِ , ثُمَّ يُرْدَى مِنْهُ , ثُمَّ يُتْبَعُ بِالْحِجَارَةِ .
===================
وفي بدائع الصنائع :(1)
وَأَمَّا حُكْمُ الرِّدَّةِ
(1) - بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع - (ج 15 / ص 421)