َقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ لَا قَوَدَ إلَّا بِحَدِيدَةٍ ; قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُ , وَاحْتَجُّوا بِالْحَدِيثِ : أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : ﴿ لَا قَوَدَ إلَّا بِحَدِيدَةٍ وَلَا قَوَدَ إلَّا بِالسَّيْفِ ﴾ . الثَّانِي : أَنَّهُ يُقْتَصُّ مِنْهُ بِكُلِّ مَا قَتَلَ , إلَّا الْخَمْرَ وَآلَةَ اللِّوَاطِ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ . الثَّالِثُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : يُقْتَلُ بِكُلِّ مَا قَتَلَ إلَّا فِي وَجْهَيْنِ وَصِفَتَيْنِ : أَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ : فَالْمَعْصِيَةُ كَالْخَمْرِ وَاللِّوَاطُ . وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي : فَالسُّمُّ وَالنَّارُ لَا يُقْتَلُ بِهِمَا . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : لِأَنَّهُ مِنْ الْمِثْلِ ; وَلَسْت أَقُولُهُ ; وَإِنَّمَا الْعِلَّةُ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ الْعَذَابِ . وَقَدْ بَلَغَ ابْنَ عَبَّاسٍ أَنَّ عَلِيًّا حَرَقَ نَاسًا ارْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَامِ ; فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَمْ أَكُنْ لِأُحَرِّقَهُمْ بِالنَّارِ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ ﴿ : لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ ﴾ , وَلَقَتَلْتهمْ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم : ﴿ مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ ﴾ , وَهُوَ الصَّحِيحُ . وَالسُّمُّ نَارٌ بَاطِنَةٌ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ النَّارَيْنِ , وَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الشَّهَادَةَ فِي سَبِيلِهِ . وَأَمَّا الْوَصْفَانِ فَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ : إنْ كَانَتْ الضَّرْبَةُ بِالْحَجَرِ مُجْهِزَةً قُتِلَ بِهَا , وَإِنْ كَانَتْ ضَرَبَاتٍ فَلَا , وَقَالَ مَالِكٌ أَيْضًا : ذَلِكَ إلَى الْوَلِيِّ . وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ يُضْرَبُ بِالْعَصَا حَتَّى يَمُوتَ , وَلَا يُطَوَّلُ عَلَيْهِ . وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ . وَقَالَ أَشْهَبُ : إنْ رُجِيَ أَنْ يَمُوتَ بِالضَّرْبِ ضُرِبَ , وَإِلَّا أُقِيدَ مِنْهُ بِالسَّيْفِ . وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : لَا يُقْتَلُ بِالنَّبْلِ وَلَا بِالرَّمْيِ بِالْحِجَارَةِ ; لِأَنَّهُ مِنْ التَّعْذِيبِ . وَاتَّفَقَ عُلَمَاؤُنَا عَلَى أَنَّهُ إذَا قَطَعَ يَدَهُ وَرِجْلَهُ وَفَقَأَ عَيْنَهُ قَصْدَ التَّعْذِيبَ فُعِلَ ذَلِكَ بِهِ , كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِقَتْلِهِ الرِّعَاءَ حَسْبَمَا رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ , وَإِنْ كَانَ فِي مُدَافَعَةٍ وَمُضَارَبَةٍ قُتِلَ بِالسَّيْفِ . وَالصَّحِيحُ مِنْ أَقْوَالِ عُلَمَائِنَا أَنَّ الْمُمَاثَلَةَ وَاجِبَةٌ , إلَّا أَنْ تَدْخُلَ فِي حَدِّ التَّعْذِيبِ فَلْتُتْرَكْ إلَى السَّيْفِ , وَإِلَى هَذَا يَرْجِعُ جَمِيعُ الْأَقْوَالِ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي حَنِيفَةَ , فَهُوَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ; وَلَا يَصِحُّ لِوَجْهَيْنِ بَيَّنَّاهُمَا فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ , وَكَذَلِكَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنه فِي شِبْهِ الْعَمْدِ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا لَا يَصِحُّ أَيْضًا . وَاَلَّذِي يَصِحُّ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ , وَغَيْرُهُ , ﴿ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : إنِّي لَقَاعِدٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إذَا رَجُلٌ يَقُودُ آخَرَ بِنِسْعَةٍ . فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ; هَذَا قَتَلَ أَخِي . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : أَقَتَلْته ؟ فَقَالَ : إنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْتَرِفْ لَأَقَمْت عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ . قَالَ : نَعَمْ , قَتَلْته . قَالَ : كَيْفَ قَتَلْته ؟ قَالَ : كُنْت أَنَا وَهُوَ نَحْتَطِبُ مِنْ شَجَرَةٍ فَسَبَّنِي فَأَغْضَبَنِي فَضَرَبْته بِالْفَأْسِ عَلَى قَرْنِهِ فَقَتَلْته . ﴾ وَرَوَى أَبُو دَاوُد : ﴿ وَلَمْ أُرِدْ قَتْلَهُ . فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : هَلْ لَك مِنْ شَيْءٍ تُؤَدِّي عَنْ نَفْسِك ؟ فَقَالَ : مَا لِي مَالٌ إلَّا كِسَائِي وَفَأْسِي . قَالَ : فَتَرَى قَوْمَك يَشْتَرُونَك ؟ قَالَ : أَنَا أَهْوَنُ عَلَى قَوْمِي مِنْ هَذَا . قَالَ : فَرَمَى إلَيْهِ بِنِسْعَتِهِ , وَقَالَ : دُونَكَ صَاحِبَكَ , فَانْطَلَقَ بِهِ الرَّجُلُ ; فَلَمَّا وَلَّى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : إنْ قَتَلَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ فَرَجَعَ , فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ , بَلَغَنِي أَنَّك قُلْت كَذَا وَأَخَذْته بِأَمْرِك قَالَ : أَمَا تُرِيدُ أَنْ يَبُوءَ بِإِثْمِك وَإِثْمِ صَاحِبِك ؟ قَالَ : لَعَلَّهُ . قَالَ : بَلَى . قَالَ : فَإِنَّ ذَاكَ كَذَلِكَ . قَالَ : فَرَمَى بِنِسْعَتِهِ وَخَلَّى سَبِيلَهُ ﴾ . وَالْحَدِيثُ مُشْكِلٌ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ , وَاَلَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ مَسْأَلَتِنَا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلَ , وَقَدْ قَتَلَ بِالْفَأْسِ . وَرَوَى الْأَئِمَّةُ ﴿ أَنَّ يَهُودِيًّا رَضَخَ رَأْسَ جَارِيَةٍ عَلَى أَوْضَاحٍ لَهَا , فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَاعْتَرَفَ فَرَضَّ رَأْسَهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ ﴾ اعْتِمَادًا لِلْمُمَاثَلَةِ وَحُكْمًا بِهَا .
===============
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ : قوله تعالى : ﴿ وَلُوطًا إذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْعَالَمِينَ ﴾ . (1)
(1) - أحكام القرآن لابن العربي - (ج 6 / ص 266)