14.…عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عام الفتح وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاء رجل فقال: إن ابن خطل متعلقٌ بأستار الكعبة، فقال: اقتلوه"، قلت: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أهدر دمه واستثناه ونفراً آخرين من الأمان الذي أعطاه لأهل مكة عام الفتح، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"واستدل به- أي بالحديث - على جواز قتل الذمي إذا سب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه نظر كما قاله ابن عبد البر، لأن ابن خطل كان حربياً ولم يدخله رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمانه لأهل مكة، بل استثناه مع من استثنى وخرج أمره بقتله مع أمانه لغيره مخرجاً واحداً، فلا دلالة فيه لما ذكره، انتهى. ويمكن أن يُتمسك به في جواز قتل من فعل ذلك بغير استتابة من غير تقييدٍ بكونه ذمياً، لكن ابن خطل عمل بموجبات القتل فلم يتحتم أن سبب قتله السب"، قلت: هذا الذي ذكره ابن حجر جيد أعني عدم التقييد بالساب الذمي لأن ابن خطل كان مرتداً ولمن يكن من أهل الذمة، ولكن يبقى الدليل قوياً من الحديث على قتل ساب الرسول صلى الله عليه وسلم وهو إن كان في المسلم المرتد بالسب مؤكداً ففي الذمي الناقض للعهد بالسب من باب أولى، وأما قوله رحمه الله إن ابن خطل قارف موجبات القتل الأخرى فلقد حرر ذلك شيخ الإسلام تحريراً نفيساً بحيث بيَّن أن الموجب الذي بسببه أباح النبي صلى الله عليه وسلم دمه إنما هو السب لا غير، حيث قال رحمه الله:"وقد تقدم عن أهل المغازي أن جرمه – أي جريمة ابن خطل - أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمله على الصدقة وأصحبه رجلاً يخدمه، فغضب على رفيقه لكونه لم يصنع له طعاماً أمره بصنعه فقتله، فخاف ثَمَّ أن يُقتل فارتد واستاق إبل الصدقة، وأنه كان يقول الشعر يهجو به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويأمر جاريتيه أن تغنِيّا به، فهذا له ثلاث جرائم مبيحة للدم؛ قتل النفس والردة والهجاء. فمن احتج بقصته يقول: لم يُقتل لقتل النفس لأن أكثر ما يجب على من قتل ثم ارتد أن يُقتل قَوَداً، والمقتول من قبيلة خزاعة له أولياء فكان حكمه لو قُتل قَوَداً أن يُسلَّم إلى أولياء المقتول، فإما أن يقتلوا أو يعفوا أو يأخذوا الدية، وهذا ما لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فدل على أنه لم يُقتل قوداً، وكذلك لم يُقتل لمجرد الردة لأن المرتد يُستتاب واذا استنظر أُنظر، وهذا ابن خطل قد فرَّ إلى البيت عائذاً به طالباً للأمان تاركاً للقتال ملقياً للسلاح حتى يُنظر في أمره، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بعد علمه بذلك كله أن يُقتل، وليس هذا سنة من يُقتل لمجرد الردة، فثبت أن هذا التغليظ في قتله إنما كان لأجل السب والهجاء، وأن الساب وإن ارتد فليس بمنزلة المرتد المحض بل يُقتل قبل الاستتابة، ولا يُؤخر قتله، وذلك دليل على جواز قتله بعد التوبة"، قلت: وهذا تحريرٌ نفيس للمسألة وقد تبين منه أن موجب إهدار دمه كان السب دون غيره من موجبات القتل، وهو المطلوب.
15.…حديث ابن عباس رضي الله عنهما :"أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي صلى الله عليه وسلم وتقع فيه، فينهاها فلا تنتهي، ويزجرها فلا تنزجر، قال: فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبي صلى الله عليه وسلم وتشتمه، فأخذ المغول فوضعه في بطنها واتكأ عليها فقتلها، فوقع بين رجليها طفل فلطخت ما هناك بالدم، فلما أصبح ذُكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فجمع الناس فقال: أنشد الله رجلاً فعل ما فعل لي عليه حق إلا قام. فقام الأعمى يتخطى الناس وهو يتزلزل، حتى قعد بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أنا صاحبها كانت تشتمك وتقع فيك، فأنهاها فلا تنتهي وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلما كانت البارحة جَعَلَت تشتمك وتقع فيك، فأخذت المغول فوضعته في بطنها واتكأت عليها حتى قتلتها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم :"ألا اشهدوا أن دمها هدر"، قال الشيخ العظيم آبادي :"وفيه دليل على أن الذمي إذا لم يكف لسانه عن الله ورسوله فلا ذمة له فيحل قتله، قاله السندي". وقال ابن تيمية رحمه الله:"وهذه المرأة إما أن تكون كانت زوجة لهذا الرجل أو مملوكةً له، وعلى التقديرين فلو لم يكن قتلها جائزاً لبيَّن النبي صلى الله عليه وسلم له أن قتلها كان محرماً، وأن دمها كان معصوماً، ولأوجب عليه الكفارة بقتل المعصوم والدية إن لم تكن مملوكةً له. فلما قال: اشهدوا أن دمها هدر، والهدر الذي لا يُضمن بقَوَد ولا دية ولا كفارة، عُلم أنه – أي قتلها - كان مباحاً مع كونها كانت ذمية، فعُلم أن السبَّ أباح دمها لا سيما والنبي صلى الله عليه وسلم إنما أهدر دمها عقب إخباره بأنها قُتلت لأجل السب، فعُلم أنه الموجب لذلك والقصة ظاهرة الدلالة في ذلك". قلت: نعم، القصة ظاهرة الدلالة على ذلك لمن أراد أن يصدر عن سنة المعصوم صلى الله عليه وسلم، أما من أراد أن يصدر عن داعية هواه ويسير وراء عقله المزعوم ومبتغاه، يداهن ويماري ويختلق الشبه والأعذار فما تغن النذر والآيات عن هؤلاء شيئاً والله المستعان.