عن عائشة رضي الله عنها قالت:" تُوفي النبي صلى الله عليه وسلم في بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري، وكانت إحدانا تعوِّذه بدعاء إذا مرض، فذهبت أعوِّذه فرفع رأسه إلى السماء وقال: في الرفيق الأعلى، في الرفيق الأعلى. ومرَّ عبد الرحمن بن أبي بكر وفي يده جريدة رطبة، فنظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم فظننت أن له بها حاجة، فأخذتها فمضغت رأسها ونفضتها فدفعتها إليه، فاستنَّ بها كأحسن ما كان مستناً، ثم ناولنيها فسقطت يده أو سقطت من يده، فجمع الله بين ريقي وريقه في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة"،
وعن عائشةرضي الله عنها أن أبا بكر رضي الله عنه أقبل على فرس من مسكنه بالسنح، حتى نزل فدخل المسجد فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة، فتيمم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مغشى بثوب حبرة، فكشف عن وجهه، ثم أكبَّ عليه فقبَّله وبكى، ثم قال:" بأبي أنت وأمي، والله لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كُتبت عليك فقد مِتَّها"، قال الزهري : وحدثني أبو سلمة عن عبد الله بن عباس أن أبا بكر خرج وعمر بن الخطاب يكلم الناس فقال: اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس، فأقبل الناس إليه وتركوا عمر فقال أبو بكر:" أما بعد؛ فمن كان منكم يعبد محمداً صلى الله عليه وسلم فإن محمداً قد مات، ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حيٌ لا يموت، قال الله:" وما محمدٌ إلا رسولٌ قد خلت من قبله الرسل" إلى قوله "الشاكرين"، وقال: والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها منه الناس كلهم، فما أسمع بشراً من الناس إلا يتلوها، فأخبرني سعيد بن المسيب أن عمر قال:" والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى ما تُقلني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مات"،
وعن أنس قال:" لما ثقل النبي صلى الله عليه وسلم جعل يتغشاه، فقالت فاطمة عليها السلام:" واكرب أباه" فقال لها: ليس على أبيك كرب بعد اليوم. فلما مات قالت: يا أبتاه، أجاب رباً دعاه، يا أبتاه، من جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه، إلى جبريل ننعاه. فلما دُفن قالت فاطمة عليها السلام: يا أنس، أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب"،
وعن عائشة قالت:" كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول وهو صحيح:" إنه لم يُقبض نبيٌ حتى يرى مقعده من الجنة ثم يُخَيَّر. فلما نزل به ورأسه على فخذي غشي عليه ثم أفاق، فأشخص بصره إلى سقف البيت ثم قال:" اللهم الرفيق الأعلى". فقلت: إذاً لا يختارنا، وعرفت أنه الحديث الذي كان يحدثنا وهو صحيح، قالت: فكانت آخر كلمة تكلم بها :"اللهم الرفيق الأعلى"،
وعن عائشة وابن عباس رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم لبث بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن، وبالمدينة عشراً،، وعن عائشة رضي الله عنها:" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تُوفي وهو ابن ثلاث وستين".
فصلوات الله وسلامه عليك يا نبي الله، يا رسول الله، أشهد أنك قد بلَّغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وكشف الله بك الغمة، وجاهدت في الله حق جهاده حتى أتاك اليقين، بأبي أنت وأمي يا رسول الله.
الفصل الثاني: صيانة الله عز وجل لجناب النبوة
قال الله تعالى :" إنا أرسلناك شاهداً ومُبشِّراً ونذيراً. لتؤمنوا بالله ورسوله وتُعزِّروه وتوقِّروه وتسبِّحوه بُكرةً وأصيلاً"، فضرب الله تعالى حول رسوله صلى الله عليه وسلم سياجاً منيعاً من الحفظ والصون، وجعل لشخصه الكريم حريماً يصون به جنابَه صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر الإمام البيهقي رحمه الله في باب تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم وإجلاله وتوقيره أن هذه المنزلة فوق منزلة المحبة؛ لأنه ليس كل مُحَبٍّ معظَّماً، فالوالد يحبُ ولده ولكن حبَّه إياه يدعوه إلى تكريمه ولا يدعوه إلى تعظيمه، والولد محبُّ والده يجمع له بين التكريم والتعظيم، فعُلم أن التعظيم رتبةٌ فوق المحبة، ولئن كان الداعي إلى المحبة ما يفيض عن المحبوب على المحِب من الخيرات، فإن الداعي إلى التعظيم ما يجب للمُعَظَّم في نفسه من الصفات العلية. ثم قال رحمه الله بعد أن بيَّن أن التعزير هو التعظيم، :"فأبان أن حق رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته أن يكون مُعزَّزاً موَّقراً مهيباً، ولا يُعامل بالاسترسال والمباسطة كما يعاملُ الأكفاء بعضهم بعضاً، قلت: وسيأتي تفصيل ذلك قريباً بإذن الله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في معقد بيان ما يجب لرسول الله صلى الله عليه وسلم من خصوصية التعزير والتوقير والتشريف :"إن الله سبحانه وتعالى أوجب لنبينا صلى الله عليه وسلم على القلب واللسان والجوارح حقوقاً زائدةً على مجرد التصديق بنبوته، كما أوجب سبحانه على خلقه من العبادات على القلب واللسان والجوارح أموراً زائدةً على مجرد التصديق به سبحانه، وحرَّم سبحانه لحرمة رسوله مما يُباح أن يُفعل مع غيره أموراً زائدةً على مجرد التكذيب بنبوته"، قلت: وإن معرفة وفهم هذه الواجبات التي فرضها الله تعالى صوناً لحرمة نبيه صلى الله عليه وسلم أمرٌ لازمٌ لكل مؤمن، ليعلم أن أحداً من المخلوقين ليس له مكانته صلى الله عليه وسلم، وليعلم أن تعدياً على جنابه صلى الله عليه وسلم ليس كاعتداء على أحد، والله المستعان.