تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لم يجعل الله تعالى لأحد من الخلق متابعة مستقلة منذ بعثة محمد صلى الله عليه وسلم إلا له، فقال سبحانه وتعالى:"يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيءٍ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خيرٌ وأحسن تأويلاً"، ففرض الله تعالى طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وردَّ الناس إلى الله ورسوله – أي الكتاب والسنة – عند التنازع، ثم أكدت الآيات هذا المعنى بالتحذير من عواقب نقيضه وهو الإعراض عن طاعته صلى الله عليه وسلم وترك متابعته، وجعل الله تعالى المتابعة والانقياد والتسليم لرسول الله صلى الله عليه وسلم حداً للإيمان؛ فمتى وُجد ذلك وُجد الإيمان ومتى فُقد فُقد، فقال تعالى:"فلا وربك لا يؤمنون حتى يُحكِّموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويُسلِّموا تسليماً"، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :"قال الإمام أحمد في رواية الفضل بن زياد: نظرت في المصحف فوجدت طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في ثلاثة وثلاثين موضعاً، ثم جعل يتلوا :"فليحذرِ الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة" ..الآية، وجعل يكررها ويقول: وما الفتنة؟ الشرك؛ لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شئ من الزيغ فيزيغ قلبه فيهلكه، وجعل يتلوا هذه الآية :"فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم"". وروى ابن خزيمة في صحيحه عن أمية بن عبد الله بن خالد أنه قال لعبد الله بن عمر :"إنا نجد صلاة الحضر وصلاة الخوف في القرآن، ولا نجد صلاة السفر في القرآن؟ فقال عبد الله: يا ابن أخي، إن الله عز وجل بعث إلينا محمداً صلى الله عليه وسلم ولا نعلم شيئاً، فإنما نفعل كما رأينا محمداً صلى الله عليه وسلم يفعل"، قلت: وهذه هي المتابعة التي يسعد بها المرء في الدنيا والآخرة، فلله دَرُّهم مِن صحبةٍ اختارها الله تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه. لقد علم الصحابة رضوان الله عليهم أن الخير كل الخير في اتباع سنته، وأن المحبة صدق المحبة في التزام هديه صلى الله عليه وسلم، فقال أفضل الصحابة وخيرهم بل خير هذه الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه:"لست تاركاً شيئاً كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل به إلا عملت به، فإني أخشى إن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ".قلت: صدق الصدِّيق رضي الله عنه، فإنما هما أمران لا ثالث لهما؛ اتباع سنةٍ وهدى، أو ترك سنة وزيغ وضلال، وليس ذلك لأحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلٌ يؤخذ منه ويُرد إلا هو بأمي وأمي صلوات الله وسلامه عليه.

خامساً: مكان النصيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم:

عن تميم الداري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" الدين النصيحة". قلنا: لمن؟ قال:" لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم"، قال الإمام النووي رحمه الله:"وأما النصيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتصديقه على الرسالة، والإيمان بجميع ما جاء به، وطاعته فى أمره ونهيه، ونصرته حياً وميتاً، ومعاداة من عاداه وموالاة من والاه، وإعظام حقه وتوقيره، وإحياء طريقته وسنته، وبث دعوته ونشر شريعته، ونفى التهمة عنها، واستثارة علومها، والتفقه في معانيها، والدعاء إليها، والتلطف في تعلُّمها وتعليمها، وإعظامها وإجلالها، والتأدب عند قراءتها، والإمساك عن الكلام فيها بغير علم، وإجلال أهلها لانتسابهم إليها، والتخلُّق بأخلاقه، والتأدب بآدابه، ومحبة أهل بيته وأصحابه، ومجانبة من ابتدع فى سنته أوتعرض لأحد من أصحابه ونحو ذلك"، وقال القاضي عياض رحمه الله :" وقال أبو بكر الآجري وغيره: النصح له يقتضي نصحين؛ نصحاً في حياته، ونصحاً بعد مماته. ففي حياته نصحَ أصحابُه له بالنصر والمحاماة عنه، ومعاداة من عاداه، والسمع والطاعة له، وبذل النفوس والأموال دونه، كما قال تعالى:"رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم مَن قضى نَحبَه ومنهم من ينتظر وما بدَّلوا تبديلاً"، وقال:"وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون"، وأما نصيحة المسلمين له بعد وفاته فالتزام التوقير والإجلال، وشدة المحبة له، والمثابرة على تعلم سنته، والتفقه في شريعته، ومحبة آل بيته وأصحابه، ومجانبة مَن رغب عن سنته وانحرف عنها وبغضه والتحذير منه، والشفقة على أمته، والبحث عن تعرف أخلاقه وسيره وآدابه والصبر على ذلك". قال أبو عبدالله المروزي رحمه الله :"قال بعض أهل العلم: جِماع تفسير النصيحة هو عناية القلب للمنصوح له مَن كان، وهى على وجهين أحدهما فرض والآخر نافلة" ثم قال :"وأما النصيحة للرسول صلى الله عليه وسلم في حياته فبذل المجهود في طاعته ونصرته ومعاونته وبذل المال إذا أراده والمسارعة إلى محبته، وأما بعد وفاته فالعناية بطلب سنته والبحث عن أخلاقه وآدابه، وتعظيم أمره ولزوم القيام به، وشدة الغضب والإعراض عن من يدين بخلاف سنته، والغضب على من ضيعها لأثرة دنيا وإن كان متديناً بها، وحُبُّ من كان منه بسبيل من قرابة أو صهر أو هجرة أو نصرة أو صحبة ساعة من ليل أو نهار على الإسلام والتشبه به في زيه ولباسه".

المفصل في شرح الشروط العمرية · الصفحة ٥٨٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في شرح الشروط العمريةص ٥٨٢