تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

و قال الواقدي : حدثني عبد الحميد بن جعفر عن يزيد بن رومان و معمر عن الزهري عن ابن كعب بن مالك و إبراهيم بن جعفر عن أبيه عن جابر بن عبد الله فكل قد حدثني منه بطائفة فكان الذي اجتمعوا لنا عليه قالوا : ابن الأشرف كان شاعرا و كان يهجو النبي صلى الله عليه و سلم و أصحابه و يحرض عليهم كفار قريش في شعره و كان رسول الله صلى الله عليه و سلم قدم المدينة و أهلها أخلاط منهم المسلمون الذين تجمعهم دعوة الإسلام فيهم أهل الخلقة و الحصون و منهم حلفاء للحيين جميعا الأوس و الخزرج فأراد رسول الله صلى الله عليه و سلم حين قدم المدينة استصلاحهم كلهم و موادعتهم و كان الرجل يكون مسلما و أبوه مشركا فكان المشركون و اليهود من أهل المدينة يؤذون رسول الله صلى الله عليه و سلم و أصحابه أذى شديدا فأمر الله نبيه و المسلمين بالصبر على ذلك و العفو عنهم و فيهم أنزل : ﴿ و لتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم و من الذين أشركوا أذى كثيرا و إن تصبروا و تتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ﴾ [ آل عمران : 186 ] و فيهم أنزل الله تعالى : ﴿ ود كثير من أهل الكتاب ﴾ الآية [ البقرة : 109 ] فلما أبى ابن الأشرف أن يمسك عن إيذاء رسول الله صلى الله عليه و سلم و إيذاء المسلمين و قد بلغ منهم فلما قدم زيد بن حارثة بالبشارة من بدر بقتل المشركين و أسر من أسر منهم و رأى الأسرى مقرنين كبت و ذل ثم قال لقومه : ويلكم ! و الله لبطن الأرض خير لكم اليوم هؤلاء سراة قد قتلوا و أسروا فما عندكم ؟ قالوا : عداوته ما حيينا قال : و ما أنتم و قد وطئ قومه و أصابهم ؟ و لكني أخرج إلى قريش فأخصها و أبكي قتلاها لعلهم ينتدبون فأخرج معهم فخرج حتى قدم مكة و وضع رحله عند أبي وداعة بن أبي صبرة السهمي و تحته عاتكة بنت أسد بن أبي العيص فجعل يرثي قريشا و ذكر ما رثاهم به من الشعر و ما أجابه به حسان فأخبره بنزول كعب على من نزل فقال حسان فذكر شعرا هجا به أهل البيت الذين نزل فيهم قال : فلما بلغها هجاؤه نبذت رحله و قالت : ما لنا و لهذا اليهودي ؟ ألا ترى ما يصنع بنا حسان ؟ فتحول فكلما تحول عند قوم دعا رسول الله صلى الله عليه و سلم حسان فقال : ابن الأشرف نزل على فلان فلا يزال يهجوهم حتى نبذ رحله فلما لم يجد مأوى قدم المدينة فلما بلغ النبي صلى الله عليه و سلم قدوم ابن الأشرف قال : [ اللهم اكفني ابن الأشرف بما شئت في اعلانه الشر و قوله الأشعار ] و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ من لي من ابن الأشرف فقد آذاني ؟ ] فقال محمد بن مسلمة : أنا به يا رسول الله و أنا أقتله قال : فافعل و ذكر الحديث فقد جمع لابن الأشرف ذنوب : أنه رثى قتلى قريش و خصهم على محاربة النبي صلى الله عليه و سلم و واطأهم على ذلك و أعانهم على محاربته بإخباره أن دينهم خير من دينه ز هجا النبي صلى الله عليه و سلم و المؤمنين

قلنا : الجواب من وجوه :

أحدهما : أن النبي صلى الله عليه و سلم لم يندب إلى قتله لكونه ذهب إلى مكة و قال ما قال هناك و إنما ندب إلى قتله لما قدم و هجاه كما جاء ذلك مفسرا في حديث جابر المتقدم بقوله : [ ثم قدم المدينة معلنا لعداوة النبي صلى الله عليه و سلم ] ثم أن أول ما قطع به العهد تلك الأبيات التي قالها بعد الرجوع و أن النبي صلى الله عليه و سلم حينئذ ندب إلى قتله

و كذلك في حديث موسى بن عقبة [ من لنا من ابن الأشرف فإنه قد استعلن بعداوتنا و هجائنا ؟ ]

و يؤيد ذلك شيئان :

أحدهما : أن سفيان بن عتبة روى عن عمرو بن دينار عن عكرمة قال : [ جاء حيي بن أخطب و كعب بن الأشرف إلى أهل مكة فقالوا : أنتم أهل الكتاب و أهل العلم فأخبرونا عنا و عن محمد فقالوا : ما أنتم و ما محمد ؟ فقالوا : نحن نصل الأرحام و ننحر الكوماء و نسقي الماء على اللبن و نفك العناة و نسقي الحجيج و محمد صنبور قطع أرحامنا و اتبعه سراق الحجيج بنو غفار فنحن خير أم هو ؟ فقالوا : بل أنتم خير و أهدى سبيلا فأنزل الله تعالى : ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ﴾ لإلى قوله : ﴿ أولئك الذين لعنهم الله و من يلعن الله فلن تجد له نصيرا ﴾ [ النساء : 52 ]

و كذلك قال قتادة : ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في كعب بن الأشرف و حيي ابن أخطب رجلين من اليهود من بني النضير لقيا قريشا في الموسم فقال لهما المشركون : نحن أهدى أم محمد و أصحابه ؟ فإنا أهل السدانة و أهل السقاية و أهل الحرم فقالا : أنتم أهدى من محمد و أصحابه و هما يعلمان أنهما كاذبان إنما حملهما على ذلك حسد محمد و أصحابه فأنزل الله تعالى فيهم : ﴿ أولئك الذين لعنهم الله و من يلعن الله فلن تجد له نصيرا ﴾ [ النساء : 52 ] فلما رجعا إلى قومهما : إن محمدا يزعم أنه قد نزل فيكما كذا و كذا قالا : صدق و الله ما حملنا على ذلك إلا حسده و بغضه

المفصل في شرح الشروط العمرية · الصفحة ٥٤٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في شرح الشروط العمريةص ٥٤٢