وَكَانَتْ أَمْوَالُهُمْ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ . وَذَكَرَ مَصَارِفَ الْفَيْءِ بِقَوْلِهِ : ﴿ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾ ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ ﴿ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ فَهَؤُلَاءِ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ وَمَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو حَكِيمٍ النهرواني مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد وَغَيْرِهِمْ : أَنَّ مَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْفَيْءِ نَصِيبٌ . وَمِنْ الْفَيْءِ مَا ضَرَبَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى الْأَرْضِ الَّتِي فَتَحَهَا عَنْوَةً وَلَمْ يَقْسِمْهَا ؛ كَأَرْضِ مِصْرَ وَأَرْضِ الْعِرَاقِ - إلَّا شَيْئًا يَسِيرًا مِنْهَا - وَبَرِّ الشَّامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . فَهَذَا الْفَيْءُ لَا خُمُسَ فِيهِ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْأَئِمَّةِ : كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَد . وَإِنَّمَا يَرَى تَخْمِيسَهُ الشَّافِعِيُّ وَبَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَد وَذَكَرَ ذَلِكَ رِوَايَةً عَنْهُ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا يُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ فِي الْفَيْءِ خُمُسًا كَخُمُسِ الْغَنِيمَةِ . وَهَذَا الْفَيْءُ لَمْ يَكُنْ مِلْكًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَيَاتِهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَبَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَد : كَانَ مِلْكًا لَهُ . وَأَمَّا مَصْرِفُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ ؛ فَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنْ يَصْرِفَ مِنْهُ أَرْزَاقَ الْجُنْدِ الْمُقَاتِلِينَ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ الْكُفَّارَ ؛ فَإِنَّ تَقْوِيَتَهُمْ تُذِلُّ الْكُفَّارَ فَيُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْفَيْءُ . وَتَنَازَعُوا هَلْ يُصْرَفُ فِي سَائِرِ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ أَمْ تُخْتَصُّ بِهِ الْمُقَاتِلَةُ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ وَوَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَد ؛ لَكِنَّ الْمَشْهُورَ فِي مَذْهَبِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ : أَنَّهُ لَا يُخْتَصُّ بِهِ الْمُقَاتِلَةُ ؛ بَلْ يُصْرَفُ فِي الْمَصَالِحِ كُلِّهَا . وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ : يُعْطَى مَنْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ عَامَّةٌ لِأَهْلِ الْفَيْءِ ؛ فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ : يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَخُصَّ مَنْ فِي الْبُلْدَانِ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ وَهُوَ مَنْ بَلَغَ وَيُحْصِي الذَّرِّيَّةَ وَهِيَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ وَالنِّسَاءَ . إلَى أَنْ قَالَ : ثُمَّ يُعْطِي الْمُقَاتِلَةَ فِي كُلِّ عَامٍ عَطَاءَهُمْ وَيُعْطِي الذُّرِّيَّةَ وَالنِّسَاءَ مَا يَكْفِيهِمْ لِسَنَتِهِمْ . قَالَ : وَالْعَطَاءُ مِنْ الْفَيْءِ لَا يَكُونُ إلَّا لِبَالِغِ يُطِيقُ الْقِتَالَ . قَالَ : وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ مِمَّنْ لَقِيَهُ فِي أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَمَالِيكِ فِي الْعَطَاءِ حَقٌّ وَلَا لِلْأَعْرَابِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ الصَّدَقَةِ . قَالَ : فَإِنْ فَضَلَ مِنْ الْفَيْءِ شَيْءٌ وَضَعَهُ الْإِمَامُ فِي أَهْلِ الْحُصُونِ وَالِازْدِيَادِ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ وَكُلِّ مَا يَقْوَى بِهِ الْمُسْلِمُونَ . فَإِنْ اسْتَغْنَوْا عَنْهُ وَحَصَلَتْ كُلُّ مَصْلَحَةٍ لَهُمْ فَرَّقَ مَا يَبْقَى عَنْهُمْ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ مَا يَسْتَحِقُّونَ مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ . قَالَ : وَيُعْطِي مِنْ الْفَيْءِ رِزْقَ الْعُمَّالِ وَالْوُلَاةِ وَكُلَّ مَنْ قَامَ بِأَمْرِ الْفَيْءِ : مِنْ وَالٍ وَحَاكِمٍ وَكَاتِبٍ وَجُنْدِيٍّ مِمَّنْ لَا غِنَى لِأَهْلِ الْفَيْءِ عَنْهُ . وَهَذَا مُشْكِلٌ مَعَ قَوْلِهِ : إنَّهُ لَا يُعْطَى مِنْ الْفَيْءِ صَبِيٌّ وَلَا مَجْنُونٌ وَلَا عَبْدٌ وَلَا امْرَأَةٌ وَلَا ضَعِيفٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِتَالِ ؛ لِأَنَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ . وَهَذَا إذَا كَانَ لِلْمَصَالِحِ فَيَصْرِفُ مِنْهُ إلَى كُلِّ مَنْ لِلْمُسْلِمِينَ بِهِ مَنْفَعَةٌ عَامَّةٌ كَالْمُجَاهِدِينَ وَكَوُلَاةِ أُمُورِهِمْ : مِنْ وُلَاةِ الْحَرْبِ وَوُلَاةِ الدِّيوَانِ وَوُلَاةِ الْحُكْمِ وَمَنْ يُقْرِئُهُمْ الْقُرْآنَ وَيُفْتِيهِمْ وَيُحَدِّثُهُمْ وَيَؤُمُّهُمْ
المفصل في شرح الشروط العمرية · الصفحة ٤٨٧
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
المفصل في شرح الشروط العمريةص ٤٨٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي