الْكِتَابِ لَهُ نَفْسُهُ بِمَا يَجِدُونَهُ مِنْ نَعْتِهِ فِي كُتُبِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إسْرَائِيلَ ﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿ وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ ﴾ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ . وَهَذَا بِخِلَافِ مَا تَوَاتَرَ عِنْدَ الْخَاصَّةِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ كَأَحَادِيثِ الرُّؤْيَةِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ وَفِتْنَتِهِ وَأَحَادِيثِ الشَّفَاعَةِ وَالصِّرَاطِ وَالْحَوْضِ فَهَذَا قَدْ يُنْكِرُهُ بَعْضُ مَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ مِنْ أَهْلِ الْجَهْلِ وَالضَّلَالِ ؛ وَلِهَذَا أَنْكَرَ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ كالجبائي وَأَبِي بَكْرٍ وَغَيْرِهِمَا دُخُولَ الْجِنِّ فِي بَدَنِ الْمَصْرُوعِ وَلَمْ يُنْكِرُوا وُجُودَ الْجِنِّ إذْ لَمْ يَكُنْ ظُهُورُ هَذَا فِي الْمَنْقُولِ عَنْ الرَّسُولِ كَظُهُورِ هَذَا وَإِنْ كَانُوا مُخْطِئِينَ فِي ذَلِكَ . وَلِهَذَا ذَكَرَ الْأَشْعَرِيُّ فِي مَقَالَاتِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ : إنَّ الْجِنِّيَّ يَدْخُلُ فِي بَدَنِ الْمَصْرُوعِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ﴾ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ : قُلْت لِأَبِي : إنَّ قَوْمًا يَزْعُمُونَ أَنَّ الْجِنِّيَّ لَا يَدْخُلُ فِي بَدَنِ الْإِنْسِيِّ . فَقَالَ : يَا بُنَيَّ يَكْذِبُونَ هُوَ ذَا يَتَكَلَّمُ عَلَى لِسَانِهِ . وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ . وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ جَمِيعَ طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ يُقِرُّونَ بِوُجُودِ الْجِنِّ وَكَذَلِكَ جُمْهُورُ الْكُفَّارِ كَعَامَّةِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَكَذَلِكَ عَامَّةُ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَوْلَادِ الهذيل وَالْهِنْدِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَوْلَادِ حَامٍ وَكَذَلِكَ جُمْهُورُ الْكَنْعَانِيِّينَ واليونانيين وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَوْلَادِ يافث . فَجَمَاهِيرُ الطَّوَائِفِ تُقِرُّ بِوُجُودِ الْجِنِّ بَلْ يُقِرُّونَ بِمَا يَسْتَجْلِبُونَ بِهِ مُعَاوَنَةَ الْجِنِّ مِنْ الْعَزَائِمِ وَالطَّلَاسِمِ سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ سَائِغًا عِنْدَ أَهْلِ الْإِيمَانِ أَوْ كَانَ شِرْكًا فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ يَقْرَءُونَ مِنْ الْعَزَائِمِ وَالطَّلَاسِمِ وَالرُّقَى مَا فِيهِ عِبَادَةٌ لِلْجِنِّ وَتَعْظِيمٌ لَهُمْ وَعَامَّةُ مَا بِأَيْدِي النَّاسِ مِنْ الْعَزَائِمِ وَالطَّلَاسِمِ وَالرُّقَى الَّتِي لَا تُفْقَهُ بِالْعَرَبِيَّةِ فِيهَا مَا هُوَ شِرْكٌ بِالْجِنِّ . وَلِهَذَا نَهَى عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَنْ الرُّقَى الَّتِي لَا يُفْقَهُ مَعْنَاهَا ؛ لِأَنَّهَا مَظِنَّةُ الشِّرْكِ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ الرَّاقِي أَنَّهَا شِرْكٌ . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ ﴿ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الأشجعي . قَالَ : كُنَّا نَرْقِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَرَى فِي ذَلِكَ ؟ فَقَالَ : اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ ﴾ . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَيْضًا عَنْ جَابِرٍ قَالَ : ﴿ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الرُّقَى فَجَاءَ آلُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ كَانَتْ عِنْدَنَا رُقْيَةٌ نَرْقِي بِهَا مِنْ الْعَقْرَبِ وَإِنَّك نَهَيْت عَنْ الرُّقَى قَالَ : فَعَرَضُوهَا عَلَيْهِ فَقَالَ : مَا أَرَى بَأْسًا مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَنْفَعْهُ ﴾ وَقَدْ كَانَ لِلْعَرَبِ وَلِسَائِرِ الْأُمَمِ مِنْ ذَلِكَ أُمُورٌ يَطُولُ وَصْفُهَا وَأَخْبَارُ الْعَرَبِ فِي ذَلِكَ مُتَوَاتِرَةٌ عِنْدَ مَنْ يَعْرِفُ أَخْبَارَهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَكَذَلِكَ عِنْدَ غَيْرِهِمْ وَلَكِنَّ الْمُسْلِمِينَ أَخْبَرُ بِجَاهِلِيَّةِ الْعَرَبِ مِنْهُمْ بِجَاهِلِيَّةِ سَائِرِ الْأُمَمِ إذْ كَانَ خَيْرُ الْقُرُونِ كَانُوا عَرَبًا وَكَانُوا قَدْ عَايَنُوا وَسَمِعُوا مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ نُزُولِ الْقُرْآنِ فَذَكَرُوا فِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالسِّيَرِ وَالْمَغَازِي وَالْفِقْهِ فَتَوَاتَرَتْ أَيَّامُ جَاهِلِيَّةِ الْعَرَبِ فِي الْمُسْلِمِينَ وَإِلَّا فَسَائِرُ الْأُمَمِ الْمُشْرِكِينَ هُمْ مِنْ جِنْسِ الْعَرَبِ الْمُشْرِكِينَ فِي هَذَا وَبَعْضُهُمْ كَانَ أَشَدَّ كُفْرًا وَضَلَالًا مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَبَعْضُهُمْ أَخَفَّ . وَالْآيَاتُ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا خِطَابٌ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ مِنْ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ . إذْ كَانَتْ رِسَالَتُهُ عَامَّةً لِلثَّقَلَيْنِ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَسْبَابِ نُزُولِ الْآيَاتِ مَا كَانَ مَوْجُودًا فِي الْعَرَبِ فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الْآيَاتِ مُخْتَصًّا بِالسَّبَبِ الْمُعَيَّنِ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا :
المفصل في شرح الشروط العمرية · الصفحة ٤٥٧
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
المفصل في شرح الشروط العمريةص ٤٥٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي