يا لها من جفلة للقلب حين يرى هذه الصورة المروعة لكل الكيان، تجعل العيون تذهل من مدامعها، والفؤاد يرجع هلعاً من مناظرها، حتى أن معاوية بن أبي سفيان رضوان الله عليه لما سمع الحديث بكى حتى مرّغ وجهه في التراب، وقال صدق الله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: 15-16].. كل أولئك من جفاف وانعدام هذا الترياق المبارك..
هذه أشواك الآخرة، ومن أشواك الدنيا؛ ما يرشدنا إليه الإمام علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، أنه ذكر فتناً تكون في آخر الزمان، فقال له عمر: متى ذلك يا عليّ؟ فقال: " إذا تُفقِّه لغير الله، وتُعُلِّم العلم لغير العمل، والتُمست الدنيا بعمل الآخرة " (4)
فهي الفتن في الدنيا أشواك أخرى تسبق أهوال القيامة، ولنا أن نتأمل اليوم أنواع الفتن وضروبها وتشعبها، ابتداء من الفتنة في النفس والذات، ووصولاً إلى الفتنة في آفاق الأمة الكبيرة، و يا لها من أشواك هذه الفتن؛ فقد أدمت النفوس، وأنّ لها كتف الدعوة، وأهريق منها رحم هذه الأمة المباركة، ومن أبرز أسباب هذه الفتن وتلك، هو جفاف هذا " القدحُ المُعلى ".
أزهار.. دعوية
ولا تتوقف عينُ الداعية إلى الله على مناظر تلك الأشواك المرعبة؛ التي أدمت فكره وخاطره وغاصت في بنان نفسه، بل في الكون جمال وأزهار، وفي الدعوة حقول زاهيةٌ، وسهول وافرةٌ، تدفعه للتأمل والجلوس مع الذات، ومراجعة نفسه وما تحوزه من هذه الورود اليانعة.
عن أبي سعيد الخدري رضوان الله عليه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في حجة الوداع: (نضَّر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها، فرُبَّ حاملِ فقهٍ ليس بفقيه، ثلاثٌ لا يُغَلُّ (5) عليهن قلبُ امرئ مؤمن: إخلاص العمل لله، والمُناصحة لأئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن دعاءهم يُحيط من ورائهم) (6)
فالإخلاص مورد من موارد أداء الأمانة على وجهها الأتم، وينبوع من ينابيع سلامة الصدر من الحقد والشحناء، وأي قلب تشرب هذه المعاني بالإخلاص فأنّا أن تصيبه الفتن - بحول الله - وهل غالب الفتن إلا من خيانة الأمانة، أو من حقد وتباغض بين أهل الإسلام، وأهل الدعوة، وأمة الاستجابة.
وزهرة النصر والحفظ للأمة تأتي من هذا القدح قال - عليه الصلاة والسلام -: (إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها؛ بدعوتهم، وصلاتهم، وإخلاصهم) (7)
وزهرة زيادة الخير ورفعة الدرجات
قال - عليه الصلاة والسلام - لسعد ابن أبي وقاص - رضي الله عنه -: (إنك لن تخلف فتعمل عملاً تبتغي به وجه الله - تعالى -إلا ازددت به خيراً، ودرجة ورفعة) (8)
هذا هو " القدحُ المُعلى " وما يزرعه في القلب، يحرص عليه الداعية " حبيب الله " ليزداد بهذا الحب جمالا على جمال.
اقبل باقة.. رُقَّية
حين يجمع الداعية المبارك هذه الأزهار؛ فلا حقد، ولا خيانة، بل رفعة في الدرجات، وانتظاراً للنصر، يكون قد حاز باقة من المعاني العالية، تزيده رقية العابدة جمالاً في باقته حين تقول: " تفقهوا في مذاهب الإخلاص، ولا تفقهوا فيما يؤديكم إلى ركوب القلاص " (9).
وصدقت - رحمها الله - فإن فقه معاني الإخلاص هو الذي يقود للمعالي، وليس التفقه فيما يوصل للبروز والتعالي، والفقه العالي يطوي في جنباته كل الخير، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث السابق (.. إلا ازددت به خيراً، ودرجة ورفعة) فالخير كله مطوي ها هنا، والرفعة والعلو لن تكون إلا به، ومسكين من طلبها دون ارتواء من " القدحِ المُعلى "، ونجيب هو " حبيب الله " من ارتوى وقرّب هذا القدح في كل وقت من شفاه قلبه وفكره وعمله وسلوكه، فيزداد مع الحب رفعة ودرجة، وتنهال عليه الفتوحات، كأنه لم يكن يتذوقها.
ثكلتك أمك!
قد يتطرق للداعية إلى الله - تعالى -بعض عجب وغرور من هذه المعاني التي تشربها، يدله على علاج ذلك طلحة بن عبيد الله رضوان الله عليه قال: " خرج عمر ليلة في سواد الليل، فدخل بيتاً، فلما أصبحتُ ذهبت إلى ذلك البيت، فإذا عجوز عمياء مُقعدة، فقلتُ لها: ما بال هذا الرجل يأتيك؟ فقالت: إنه يتعاهدُني مدة كذا وكذا، يأتيني بما يُصلحني، ويخرج عني الأذى. فقلتُ لنفسي: ثكلتك أمك يا طلحة، أعثرات عمر تُتبع؟ " (10).
والعجب آفة التفقه، وقريب من الجديد في طريق الدعوة، أن تتسارع نفسه إلى الظن بغيره ممن سبقه، أو ينزل من قدر أعمالهم إذ هو الفقه!، فيأتي خبر سعدٍ هذا كأنه تذكير له ووقاية مما يحاذره المرء في طريق الدعوة.
توازن... واعتدال
قد بالغ بعض المتصوفة في مسائل الإخلاص حتى دخلوا بالناس في أمثال الوسوسة، التي حجبت الكثير من الطاقات، وأهدرت العديد من الهمم في مرابض هذه الوسوسة العجيبة، حاربها الإمام أحمد رضوان الله عليه فيما يبثه المحاسبي - رحمه الله - وقتها، وحاربها حديثاً الدعاة إلى الله، لكن لا تزال بعض صور تلك الوسوسة تظهر في بعض المواقف، والتوازن الحق هو المطلب، ما بين تلك الأشواك وهذه الزهور يكون التوازن ثم.
قال رجاء بن حيوة يقول عن عبد الله بن مُحيريز: إنْ كنتُ لأُعُدُّ بقاء ابن محيريز أماناً لأهل الأرض!! دخل ابن محيريز حانوتاً بدانق، وهو يريد أن يشتري ثوباً، فقال رجل لصاحب الحانوت: هذا ابن محيريز!، فأحسِن بيعه، فغضب ابن محيريز وخرج، وقال: إنما نشتري بأموالنا، لسنا نشتري بديننا. (11)