أضف إلى هذا ما في هذه القصة من تناقض مكاني، فهذه المقالة إنما قالها علي -رضي الله عنه- وهو على منبر الكوفة -كما زعم الشيعة - وسعد رضي الله عنه كان قد اعتزل في المدينة، ولم يلتق بعلي رضي الله عنه في الكوفة.
أما تمسكهم بكون عمر بن سعد شارك في قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما، وإيراد هذا المطعن في حق أبيه رضي الله عنه، فأي ذنب كان لسعد في هذا، وما حصل إنما حصل بعد موته رضي الله عنه، ولو علم أن ابنه سيشارك في قتل ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم لتمنى أنه مات قبل أن يتزوج أو يكون له ولد، ولتمنى لو انشقت الأرض وابتلعته وولده، ولتمنى أن لو كان نسياً منسياً لما عرف عنه من حبه للنبي صلى الله عليه وسلم وآل بيته، فلا ذنب لسعد ولا مسوغ للشيعة للطعن فيه، والله سبحانه وتعالى يقول: ((وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)) [فاطر:18].
ثالثاً: موقف الشيعة الإثني عشرية من عبد الرحمن بن عوف الزهري رضي الله عنه:-
عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض.
والشيعة كدأبهم مع كبار أصحاب رسول الله وخيارهم يوجهون إليهم المطاعن المفتراة، ويسلقونهم بألسنة حداد.
وقد خصوا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ببعض مطاعنهم، وافتروا عليه كما افتروا على غيره من الصحابة ما الله يعلم أنه منه بريء، وعباده المؤمنون يعلمون.
وسأذكر مثالاً واحداً من كتبهم يبين مدى الحقد الذي يعتمل في نفوسهم تجاه هذا الصحابي الجليل.
دعواهم أن لعبد الرحمن بن عوف باباً من أبواب النار يدخل منه مع فرعون وهامان:-
وهو: ما ادعوه من أن له بابا من أبواب النار يدخل منه مع فرعون وهامان:
فقد أسند الملقب الصدوق -كذباً- إلى جعفر الصادق أنه قال: [[إن للنار سبعة أبواب؛ باب يدخل منه فرعون وهامان وقارون...]]([33]).
وقد تقدم أن مرادهم بفرعون وهامان: أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.
أما المراد بـ (قارون): فقد ذكر الكاشاني أن عبد الرحمن بن عوف قارون هذه الأمة([34]).
وهذا الزعم من الشيعة -وهو قوله أن لعبد الرحمن رضي الله عنه باباً من أبواب النار يدخل منه- يعارض الحديث الصحيح الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي أخبر فيه عليه الصلاة والسلام أن عبد الرحمن بن عوف في الجنة([35]).
ويعارض أيضاً ما ذكر في بعض كتب الشيعة من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو لعبد الرحمن ويقول: ﴿اللهم اسق عبد الرحمن من سليل الجنة﴾([36]).
مستدلاً بهذا الحديث على إثبات مادة لغوية. وقد عقب على هذا الحديث بقوله: (والسليل هو صافي شرابها... إلخ)([37]).
ولو علم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن عبد الرحمن بن عوف يدخل من باب من أبواب جهنم مع فرعون وهامان -كما زعم الشيعة - لما دعا الله له أن يسقيه من صافي شراب الجنة، ولما بشره عليه الصلاة والسلام بالجنة، وأخبر أنه سيدخلها فهو عليه السلام لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.
رابعاً: موقف الشيعة الإثني عشرية من أبي عبيدة عامر بن الجراح القرشي الفهري رضي الله تعالى عنه:-
أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه من الرعيل الأول من الصحابة، أسلم قديماً، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، وتوفي وهو عنه راض.
وفضائله رضي الله عنه كثيرة، ولا يتسع المقام لذكرها، ويكفيه فخراً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقبه بـ (أمين هذه الأمة):
فقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أنس بن مالك الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿إن لكل أمة أميناً، وإن أميننا أيتها الأمة أبو عبيدة بن الجراح﴾([38]).
ولكن الشيعة لم يعترفوا بفضله، ولم يراعوا حق صحبته، بل أشرعوا سهامهم في وجهه، كما فعلوا مع إخوانه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووجهوا إليه العديد من المطاعن والتهم، سأقتصر على ذكر أحدها:
وهو: زعمهم أن تلقيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي عبيدة بـ(أمين هذه الأمة) مطعن، لا مدح فيه:
وذكروا في سبب إطلاق هذا اللقب عليه من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قصة مكذوبة، ملخصها:
أن جماعة من الصحابة تآمروا فيما بينهم إن مات رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يعطوا الخلافة لبني هاشم أبداً -يريدون بذلك حرمان علي وذريته منها على حد مزاعم الشيعة - وكتبوا في ذلك صحيفة ودفنوها في جوف الكعبة، وكان كاتب هذه الصحيفة هو أبو عبيدة بن الجراح، وهو الذي ذهب بها إلى مكة ودفنها في جوف الكعبة، فأطلع الله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم- على حد زعم الشيعة - على مؤامرتهم، فقال لأبي عبيدة: ﴿أنت أمين قوم من هذه الأمة على باطلهم﴾([39]).