فمما هو معروف و قد ذهب إليه أغلب الأئمة و المفسرين أن أولئك الأميين المذكورين في الأية الكريمة هم العرب ؛ و في حديث ابن عمر t عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إنا أمة أمية لا نكتب و لا نحسب الشهر هكذا و هكذا – بخاري / 1913 و مسلم / 1080، فالعرب كانوا قوم لا ثقافة لهم و لا علوم و لا اطلاع على ثقافات العالم المتحضر أنذاك ، إلا قليلا منهم بالطبع ، كذلك كانوا قوم لا دين لهم يتبعونه و لا كتاب لهم يقرأونه أي أنهم كانوا أمة على أصل ولادتها ، لم تتعلم الكتابة ولا قراءتها ؛ و هذا قد جعل القرآن الكريم يصفهم بالأمّية . و لكن أهل الكتاب في خلال نقاشهم الدائم مع المسلمين لا يقبلون هذا الأمر ، بل و يحاولون أن يتخذونه مولجا إلى أن ثقافة محمد هي مصدر القرآن الكريم . ففي بعض مؤلفات النصارى و مواقعهم على شبكة الأنترنت نقرأ مقالات و مؤلفات تحاول تفسير هذا الموضوع بشكل مغاير تماما للمفهوم الإسلامي فتخلط ما بين الأميّين و الأمَمييّن ، و ما بين الأميّ و الأمميّ ، إلى تنتهي بالقاريء إلى أن المسلمين لا يفهمون كتابهم الذين يرتلونه في صلواتهم أناء الليل و أطراف النهار !!
و من الذي يفهمه ، و يشرح معاني أياته للناس ؟!!.. أهم النصارى الذين لا يعترفون به أصلا ككلام الله ؟!!!
و قبل أن نتطرق معا إلى مؤلفاتهم و مقالاتهم ، تعالوا معا نعرف مسبقا ما هي الأميّة ؟ و ما هي الأمميّة ؟ ، و من هو الأميّ ؟ و من هو الأمميّ ؟ و ما الفرق بينهما ؟
يقول المعجم الوجيز – باب أ م ي : ( الأميّ ) هو الذي لا يقرأ و لا يكتب ، و ( الأميّة ) مصدر صناعي بمعنى الجهل بالقراءة و الكتابة ، و ( الأممي ) هو من ليس من أهل الكتاب ، و بذلك تكون ( الأممية ) مصدر صناعي بمعنى عدم الأنتماء لملة أهل الكتاب يهود كانوا أم نصارى . و كما نرى فإن الفارق واضح هنا في المعنى ، و لكن أهل الكتاب يصرون على أن الكلمتين بمعنى واحد و هذا خطأ !! و نتساءل : من أين جاء لديهم هذا الخلط ؟!
يقول الله تعالى لنبيه الكريم صلى الله عليه وسلم : ) .. وَقُلْ لّلّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمّيّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ .. ( - آل عمران : 20 . و يفهم من الأية الكريمة التفرقة بين أهل الكتاب و الأميين ، و لأن النصارى يطلقون لفظ ( الأمم ) على غير المؤمنين برسالة المسيح u كما نقرأ في العهد الجديد : ( فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالاِبْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ ) متى 28 : 19 ، هذا غير أن ( الأمم ) مصطلح يهودي مستخدم في العهد القديم للدلالة على غير اليهود . فمن هنا جاء هذا الخلط الأعمى !
و لكن حقيقة الأمر نجد أن القرآن الكريم في الآية السابقة لا يخلط في المعني بمفهوم أهل الكتاب ، و لكن الله تعالى يقول لنبيه الكريم صلى الله عليه وسلم : يا محمد قل لأهل الكتاب من الملّيين و كذلك مشركي العرب ( الأميين ) هل تدخلون في دين الإسلام ؟ ، و ليس المقصد هنا بأن الأميين هم الأمميين . يقول الإمام القرطبي مفسرا هذه الأية : أهل الكتاب يعني اليهود والنصارى والأميين الذين لا كتاب لهم وهم مشركو العرب. – تفسير القرطبي لسورة أل عمران : 20 .
أيضا نقول أن القرآن الكريم إذ يطلق مصطلح ( الأميين ) للدلالة على مشركي العرب ، فليس معنى هذا أن العرب كلهم يجهلون القراءة و الكتابة ! ، فنحن طبعا نقرأ في كتب السيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قد استعان بعدد من كتّاب الوحي لتدوين القرآن الكريم فور نزوله ، أيضا نقرأ أن عمر بن الخطاب t قد أسلم بعد أن قرأ جزء من سورة طه ، أيضا نقرأ أن مشركى مكة قبل الهجرة قد كتبوا صحيفة مقاطعة للمسلمين و وضعوها في الكعبة ، كذلك كان في أسرى معركة بدر من الكفار من أراد افتداء نفسه أن يعلم عشرة من صبيان المسلمين القراءة و الكتابة ، و في التاريخ نقرأ عن المعلقات السبعة و هي قصائد عُرف عنها أنها كانت تُكتب على صحائف و تعلّق في الأسواق و المنتديات العربية قبل الإسلام ، .. و غير هذا مما يدل على أن العرب كان علم القراءة و الكتابة معروف لديهم و لكن كان عدد القراء ندرة في هؤلاء القوم على عكس الأقوام الأخرى ، فأهل الكتاب مثلا كانوا يتعلمون العبرانية و اليونانية لقراءة كتبهم التي لم تكن قد ترجمت إلى العربية بعد ، و لكن أيضا كان منهم الأميون الذين لا يقرأون و لا يكتبون كما يقول الله تبارك و تعالى عنهم في كتابه الكريم : ) وَمِنْهُمْ أُمّيّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاّ أَمَانِيّ وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنّونَ ( - البقرة : 78 ، و الأماني قد فسرها الحافظ ابن كثير بأنها تلاوات أو قراءات محفوظة من التوراة لا تتطلب منهم علم القراءة . و كما نرى أن هذه الأية تستخدم لفظ ( أميون ) للدلالة على غير الملمين بالقراءة و الكتابة لا على غير اليهود لأنها تتحدث عن اليهود !!