تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الله لا يعاتب أحداً على كتمان حب طائش .. والذي أخفاه النبي صلى الله عليه وسلم في نفسه تأذيه من هذا الزواج المفروض ، وتراخيه في تنفيذ أمر الله به ، وخوفه من كلام الناس عندما يجدون نظام التبني – كما ألفوه – قد انهار .

وقد أفهم الله رسوله أن أمره سبحانه لا يجوز أن يعطله توهم شيء ما ، وأنه – إزاء التكليف الأعلى – لا مفر له من السمع والطاعة ، شأن من سبقه من المرسلين ، وأعقب الآية السابعة والثلاثين هذه بآيات أخرى تؤكد هذا المعنى :

﴿ ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا . الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا ﴾ (16)

ويضيف الشيخ الغزالي : (( إنك حين تثبت قلب رجل تقول له : لا تخش إلا الله ، إنك لا تقول له ذلك وهو بصدد ارتكاب معصية .. إنما تقول له ذلك وهو يبدأ القيام بعمل فاضل كبير يخالف التقاليد الموروثة ، وظاهر في هذه الآيات كلها أن الله لا يجرئ نبيه على حب امرأة ، إنما يجرئه على إبطال عادة سيئة يتمسك الناس بها ، عادة التبني ، ويراد منه كذلك أن ينزل على حكمها ، لذلك يقول الله تعالى بعد ذلك مباشرة ، وهو يهدم نظام التبني : ﴿ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيءٍ عليما ﴾ (17) و (18)

أما السيدة صفية بنت حيى بن أخطب زعيم اليهود ، فقد وقعت في الأسر بعد فتح خيبر ، وكان أبوها وأخوها وزوجها قد قتلوا في المعركة .. ورفقا ورحمة بها خيرها الرسول صلى الله عليه وسلم بين إطلاق سراحها وإلحاقها بقومها إن أرادت البقاء على يهوديتها ، وبين الزواج منه إن أسلمت ، فقالت له : (( يا رسول الله ، لقد هويت الإسلام وصدقت بك قبل أن تدعوني .. و خيرتني بين الكفر والإسلام ، فالله ورسوله أحب إلى من العتق ومن الرجوع إلى قومي .. فتزوجها الرسول صلى الله عليه وسلم ، وجعل تحريرها من الأسر هو مهرها . (19)

ومن الواضح أنه كان من الضروري ألا يتزوج ابنة ملك اليهود سوى من يفوق أباها منزلة ومكانة ، وهو سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم .. وليس معقولا و لا مقبولا أن تترك هذه المسكينة بعد ما كانت فيه من عز ورفاهية ورفعة لمن قد يسئ معاملتها ، أو يضرب وجهها ..

ويؤيد هذه الرؤية رواية دحية الكلبي – رضي الله عنه – فقد قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أعطني جارية من سبى يهود . فقال عليه السلام له : (( اذهب فخذ جارية )) ، فذهب دحية فأخذ صفية .. فرآها الصحابة فقالوا : (( يا رسول الله ، إنها سيدة بنى قريظة وبنى النضير ، ما تصلح إلا لك )) (20) .. فتزوجها صلى الله عليه وسلم لذلك السبب .

***

وذات الأمر كان دافعا للنبي صلى الله عليه وسلم للزواج من السيدة جويرية بنت الحارث بن ضرار زعيم بنى المصطلق .. فقد حارب أبوها المسلمين ، ولحقت به هزيمة منكرة كادت تتسبب في فناء قبيلته أو إذلالهم أبد الدهر .. فقد سقط المئات من بنى المصطلق أسرى ، ومنهم السيدة جويرية بنت الحارث .. وجاءت إليه فقالت : (( يا رسول الله ، أنا جويرية بنت الحارث سيد قومه .. وقد أصابني من الأمر ما قد علمت [ تقصد الأسر والذل ] فوقعت في سهم ثابت بن قيس فكاتبني على تسع أواق ، فأعِنى في فكاكي [ تطلب معاونته صلى الله عليه وسلم في دفع المتفق عليه لتحريرها من الأسر ] فقال لها صلى الله عليه وسلم : أو خير من ذلك ؟ فسألته : ما هو ؟ فقال صلى الله عليه وسلم أؤدي عنك كتابك وأتزوجك ..فقالت : نعم يا رسول الله ، قال صلى الله عليه وسلم : (( قد فعلت ))

.. وخرج الخبر إلى الصحابة فقالوا : أصهار رسول الله – يقصدون بنى المصطلق – في الأسر .. فجعل الناس يطلقون سراح من عندهم من أسرى بنى المصطلق ، حتى تحرروا جميعا .

تقول السيدة عائشة – رضي الله عنها – (( أعتق بتزويج جويرية من النبي أهل مائة بيت ، فلا أعلم امرأة أعظم بركة على قومها منها . (21) و (22) .. وقد أسلم قومها جميعا بعد ذلك وحسن إسلامهم .

وهكذا كانت هذه الزيجة بركة وخيرا للإسلام والمسلمين من كل الوجوه ، ولم تكن للاستكثار من النساء كما يظن الجهلة ويشيع المنافقون و المستشرقون !!

ولو كان الأمر حبا للنساء استكثاراً من الحسناوات لما نزل بعد ذلك أمر من الله له يحظر عليه الزواج بعد من ذكرنا ، ولظل الرسول صلى الله عليه وسلم حرا يتزوج من شاء ، ويطلق من لا يريد .. ومات صلى الله عليه وسلم عن تسع زوجات ( وكانت السيدتان خديجة وزينب بنت خزيمة قد توفيتا في حياته ) وكان لهن نعم الزوج والعشير .. وصدق فيه قول رب العزة : ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ﴾ . (23)

........................................................................................................................

(1) راجع النص في المقال الأول من هذا الكتاب.

(2) راجع الفصل الأول ( التعدد قبل الإسلام) .

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ٢٥٨٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ٢٥٨٢