تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويرى بعضهم أن هذه المقاطعة لن تفيد شيئاً؛ فهل تغافلوا عن استغاثات الدانمارك المتكررة بالاتحاد الأوروبي لإنهاء المقاطعة الإسلاميَّة؟ وهل تجاهلوا الخسائر الدانماركيَّة التي ستصاب بها حين تقاطعها الأمة الإسلامية؟ حيث بلغت خسارة شركة واحدة من شركاتهم للألبان في دولة إسلامية واحدة ما يتراوح بين ثمانمائة ألف ومليون وستمائة ألف دولار يومياً، كما صرح بذلك مدير هذه الشركة، فضلاً عن فرص الوظائف التي سيفقدها أصحابها [موقع الجزيرة]. بل قد صرح بعضهم أن ما بنوه في عشرات السنوات ـ أي من السمعة الحسنة لبضائعهم التجارية ـ قد تهدَّم في أيام قليلات.

ويرى آخرون أن المتضررين من المقاطعة إنما هم الوكلاء التجاريون الذين يحملون امتياز بيعها في البلدان الإسلاميَّة!!

وهذا عجيب، أن يتولى هؤلاء الدفاع عن أولئك التجار؛ مع أن التجار أنفسهم لهم مواقف مشرفة؛ فقد رأيناهم تداعوا بشجاعة لطلب المقاطعة؛ فهل هو أحرص منهم على أموالهم أم أنَّها عقليات التطبيع؟

ومن هؤلاء من بدأ يدعونا للتسامح معهم والسكوت عن أذاهم، وما علموا أن التسامح لا يكون مشروعاً إلا إذا وقع موقعه الصحيح، وأولئك المستهزئون بمقامه -صلى الله عليه وسلم- ليسوا موضعاً صالحاً للتسامح، بل التسامح مع أمثال هؤلاء المجرمين جريمة شرعية، ولئن كان لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- الحق في التجاوز عمن أساء إليه فإن هذا ليس إلى الأمة، بل الأخذ بحقه والغضب له واجب شرعي لا يجوز أن يمس أو يتبرع أحد بالتنازل عنه.

ومن زاعمٍ: أن المقاطعة مجرد رد فعل عاطفي، ولا ينبغي أن تكون تصرفاتنا مبنية على ردود الأفعال وهذا الزعم لا بد له من وقفة تبين أهمية ردود الأفعال والتأصيل الشرعي لها من خلال ما يلي:

أمر الشارع بإنكار المنكر مثال واقعي لاعتبار ردود الأفعال في الشريعة:

قال رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» رواه مسلم (70).

فإنكار المنكر وتغييره باليد هو رد فعل على ظهور المنكر ورؤيته، وهو رد فعل أمر به النبي -صلى الله عليه وسلم- «فليغيره بيده»، وهو واجب بإجماع المسلمين، كما نقله النووي.

الغضب على انتهاك حرمات الله صورة من صور ردود الأفعال المأمور بها:

إذ من الغضب ما يكون محموداً بل ما يكون واجباً، وهو الغضب لله عز وجل، وقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يغضب لنفسه، ولكن إذا انتُهكت حرمات الله لم يقم لغضبه شيء.

فعَنْ عَائِشَةَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ـ قَالَتْ: «وَاللَّهِ مَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ قَطُّ حَتَّى تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ» رواه البخاري (6288).

بل إن التعامل برد الفعل أمر جِبِلِّي:

ولقد أحسن الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ حين قال: «من استُغضب ولم يغضب فهو حمار»!!

(سير أعلام النبلاء 10/43).

فالإنسان مجموعة من الأحاسيس والمشاعر، فلا بد أن يتأثر بما يدور حوله ويكون له رد فعل عليه.

والميْت هو الذي لا يوجد لديه ردود أفعال، كما قال الشاعر:

جَرَحُوه فَمَا تألَّّم جُرْحاً ما لِجُرحٍ بِمَيِّتٍ إيلامُ

ومن أمثلة ردود الأفعال من السنُّة:

قنوته -صلى الله عليه وسلم- شهراً على رعل وذكوان وبعض أحياء العرب لما غدروا بالقراء في بئر معونة. البخاري (3064) ومسلم (677).

ودعوته -صلى الله عليه وسلم- للبيعة على القتال لما بلغته شائعة قتل عثمان في الحديبية، ثم لما تبين كذب الشائعة كان الصلح.

[ابن أبي شيبة مرويات غزوة الحديبية ص 124].

وكغضبه -صلى الله عليه وسلم- حينما اختصم أصحابه في القَدَر حتى كأنما يُفقَأ في وجهه حب الرمان ـ كما عبر الراوي - ابن ماجة (82).

وغير ذلك كثير من صور غضبه -صلى الله عليه وسلم- تفاعلاً مع ما يطَّلع عليه أو يُنقل إليه من أقوال أو أفعال.

ومن ردود أفعال الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ بحضرته -صلى الله عليه وسلم-:

مقولات عمر بن الخطاب المتعددة «دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ» وما شابهها كما كان مع عبد الله بن أُبَيّ رأس المنافقين لما قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. البخاري (4905).

وكما حصل مع ذي الخويصرة اليماني الذي قال: اعدل يا رسول الله. البخاري (3341) مسلم (1675).

ولذلك فإن ردود أفعال المسلمين تجاه هذا السب لخير من وطئت قدماه الأرض، مهمٌّ جداً؛ لأنه نوع من إنكار المنكر أولاً، وهو أمر واجب، بل هذا من أعظم المنكرات التي يجب إنكارها، وقد أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بتغيير المنكر باليد، فإن لم يُستَطع فباللسان، فإن لم يُستَطع فبالقلب قال: «وذلك أضعف الإيمان» وفي حديث آخر: «وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» رواه مسلم (4676).

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ٢٥٣٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ٢٥٣٦